اخر الاخبار المعايير هناك تختلف

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

على الرغم من الحصار الأمني الشديد والتضييق على التظاهرات في ، إلا أن تظاهرات محدودة قامت تندد بقرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب (صديق السيسي والحكام العرب) بنقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس التي اعترف بها عاصمة لإسرائيل. ومع ذلك، حدثت حالات اعتقالات بعد التظاهرات لصحافيين ومحامين، وتم اختراع قضية جديدة لهم، بزعم الانضمام لجماعة محظورة، وكانت هناك تعليقات عديدة تستهجن اعتقال بعض المشاركين في هذه التظاهرات المحدودة. وهناك من تعجّب، لماذا تعتقلونهم، إنهم شباب ضد الصهيونية الإمبريالية، كيف يتم اتهامهم بالإرهاب، وكيف يتهمهم الإعلام بالعمالة والخيانة؟ عمالة وخيانة لمن؟
ولكنْ، للقائمين على السلطة في مصر رأي آخر، فمعاييرهم تختلف عن معايير الشعب والعوام، فمعاداة الصهيونية والإمبريالية لا تعني شيئا للسلطة وأجهزتها في مصر، بل إن مفهوم الوطنية يختلف تماما لدى السلطة عن مفهوم الوطنيّة المعروف، فمهما كان الشخص محبا لبلده، وراغبا في نهضته، ويرغب في التضحية بحياته من أجل أن ينهض، فذلك كله أيضا لا يعني شيئا، فلدى السلطة وأجهزتها معيار واحد لتعريف الوطنية وتحديدها، إن توافقت معه فأنت وطني وعاقل حريص على مصلحة البلد، وإن لم تتوافق فأنت مخرّب خائن وعميل وإرهابي وذراع لأعداء الوطن.
"معاداة الصهيونية والإمبريالية لا تعني شيئا للسلطة وأجهزتها في مصر، بل إن مفهوم الوطنية يختلف تماما لدى السلطة عن مفهوم الوطنيّة المعروف"

معيار السلطة وأجهزتها الأمنية هو الولاء، فقط لا غير، فَالموالي للسلطة والمؤيد والمطبّل والمسبّح بحمدها هو الوطني الوحيد الذي يستحق الحياة، والذي يمكنه التمتع بالأمن والأمان، مهما كان من المطبعين والمتعاملين مع إسرائيل سرا أو علانية، حتى لو كان يتناول العشاء مع نتنياهو كل يوم. وهناك أمثلة فعلية كثيرة على ذلك، فهي معايير أو معادلة بدأت تقريبا بعد معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في 1979. رجال أعمال أو ضباط جيش ومخابرات سابقون (وطنيون بالنسبة لمعايير السلطات المصرية)، ولديهم، في الوقت نفسه، تجارتهم ومشروعاتهم وتعاملاتهم المشبوهة مع إسرائيل، بعلم السلطات والأجهزة الأمنية. ولكن طالما يؤيد ويبايع فلا مشكلة، وطالما بمباركة الأجهزة ومشاركتها فهو يعمل لصالح الدولة بالتأكيد، خصوصا أن إسرائيل الآن أصبحت الحليف الرئيسي للنظام المصري، وهي الشريك بالمعلومات والتنسيق العسكري في الحرب على الإرهاب في سيناء، ونتنياهو هو الوسيط الذي يسعى إلى تخفيف ضغوط الكونغرس وانتقاداته لانتهاكات حقوق الإنسان في مصر.
أما الشاب الذي يتظاهر ليعلن غضبه من قرار ترامب، أو يلقي اللوم على صديقه وحليفه الذي يحكم مصر، أو يرفض سياسات النظام الحاكم، أو يدعو إلى محاربة الفساد والاستبداد، أو يدعو إلى إصلاح المؤسسات والشفافية واتباع أساليب الإدارة السليمة والحكم الرشيد، فهو طبقا لتلك المعايير خائن وعميل ومخرّب وإرهابي وعدو للوطن وأداة لهدم الدولة، فالدولة طبقا لتلك المعايير هي فقط الرئيس وحكومته وأجهزته الأمنية.
وبشكل أوسع، يمكن الزعم إن السلطة ليست وحدها التي لديها معاييرها الخاصة للوطنية، فيمكن إسقاط المثال نفسه تقريبا على التيارات السياسية المصرية والعربية، فلدى كل فصيل معاييره المختلفة عن الآخر، فلدى التيار القومي أو الناصري، على سبيل المثال، معايير تعتمد بالأساس على الخطابة بشأن القضية الفلسطينية، فهي أساس الحكم على وطنية الآخرين، فكل أنشطة التيار القومي والناصري وفعالياته، من خطب عصماء وأغانٍ ثورية عن تحرير فلسطين وإلقاء إسرائيل في البحر، وحتى القوميون والناصريون الجدد من حلفاء المليشيات الإيرانية يتحدثون دوما عن المقاومة والممانعة، حتى وإن كان ذلك مجرد شعارات بدون أفعال.
أما التيار الإسلامي الواسع بشكل عام فيمكن القول إن القضايا الرئيسية هي الحاكمية والخلافة وتطبيق الشريعة واستعادة مجد دولة الإسلام، وهذه هي المعايير التي تحدّد الحكم على جميع القضايا، وتختلف درجات السعي وأساليبه لتحقيق هذه الغاية بين تنظيمات الإسلام السياسي عموما. اختلافات عديدة في الوسائل، بداية بالإخوان المسلمين مرورا بحزب التحرير ثم التنظيمات السلفية الجهادية والقاعدة و"داعش" وما بينهم، تتنوّع بين درجات المرونة والراديكالية. ويمكن القول كذلك إن لفظ "وطنية" قد لا يكون له محل كبير من الإعراب لدى أغلبية تنظيمات الإسلام السياسي، كما أن بعضهم يعتبر الديمقراطية مرادفا للعلمانية والكفر، ويعتبرها آخرون وسيلة للوصول للسلطة. وهناك من يحترم بعض قيم المدنية وحقوق الإنسان، ولا يحترم أجزاء أخرى طبقا لتفسيره الشريعة وفهمه لها. ولا يجوز التعميم بالتأكيد، ولكن بشكل عام يمكن القول إن الشريعة والتفسيرات الدينية هي المعيار والمرشد في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان. ولذلك ستجد تنوعا كبيرا حسب التفسيرات والاجتهادات.
يمكن إسقاط هذا الكلام على التيار الليبرالي، والطيف اليساري الواسع، فالليبرالي يهتم بقضايا
"قضايا العدالة الاجتماعية والسياسات الاقتصادية وتوزيع الثروة أساس الحكم على سياسات الحكام والأنظمة"
الحريات الفردية والحقوق الطبيعية في الأساس، وتعتبر هذه القضايا أساس الحكم على تصرفات الحكام والسلطة والأفراد. ويمكن القول إن قضايا العدالة الاجتماعية والسياسات الاقتصادية وتوزيع الثروة أساس الحكم على سياسات الحكام والأنظمة. وبالطبع، لا يمكن إغفال الاستثناءات والتنوعات داخل كل طيف، ففي اليسار تنوع شديد، بداية من اليسار الماركسي الراديكالي، وصولا إلى اليسار الديمقراطي ويسار الوسط والمراجعات الحديثة، وكذلك يمكن القول إن هناك جرائم كثيرة ضد الحريات وضد الإنسانية ارتكبت على مدار التاريخ، تحت شعارات الدفاع عن الحريات والإنسانية ونشر المدنية، وكم من أرواح أُزهقت تحت اسم العدالة الاجتماعية، أو التحرّر الوطني، أو نصرة الطبقات الكادحة.
عودة إلى الموضوع الأصلي حول معايير الوطنيّة لدى من يحكمنا في مصر. هو معيار الولاء فقط منذ عشرات السنين، أهل الثقة ولا أهل الخبرة، وهي المعايير والسياسات التي بدأها جمال عبد الناصر في الخمسينيات، ولا تزال مستمرة. وهي المعايير التي أدت إلى إقصاء العقول النابغة وهروبها، ثم تولي أنصاف الموهوبين والفاشلين المناصب العليا، وهو ما أدى إلى النكسة وانهيار المشروع برمته، ثم توارث الفشل والقمع، فالنظام الحالي هو وريث نظام الخمسينيات، حيث الصوت الواحد والزعيم الملهم، الفارق الوحيد أن في العهد الناصري كان هناك جعجعة وخطابة حول الحق الفلسطيني والقضية الفلسطينية، وكانت إسرائيل هي العدو، حتى إننا لم نستعد بجدية لمواجهتها. ولكن اليوم، وبالمعادلات الجديدة، أصبحت إسرائيل الصديق والحليف والحارس لأمن العرب والخليج.

المصدر : العربى الجديد

أخبار ذات صلة

0 تعليق