اخبار اليوم عشق التميز.. رسالة حياة (1)

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

تعودت على مساءلة نفسى منذ الصغر قبل أن أخضع لمحاسبة الآخرين وتقييمهم، وكانت البيئة الريفية المفعمة بعطر التدين الفاقع هى الحاضنة الأولى لطفولتى المبتسرة والمدموغة بالفقد والحرمان والرغبة المكبوتة فى التمرد، غيًب الموت أبى وأنا لا أزال فى الرابعة من عمرى فلم أفهم سبباً لذلك، وشاهدت رفيقى وابن عمتى بعدها يمسك بيد أبيه فذهبت إلى أمى أسألها أن تحضر لى أبى حتى أقبض على كفيه فانفجرت بالنشيج وأدمت قلبى. ولم تفلح محاولات جدى الشيخ الأزهرى الوقور فى هدهدة روحى المكلومة. بل زاد عذابى عندما أصر على قطع دراستى المدنية فى المدارس بعدها كى ألتحق بالكتاب وأحفظ القرآن وأنخرط فى التعليم الأزهرى كى أعوض والدى الذى رحل وهو فى عامه الأخير فى تخصص القضاء الشرعى، كنت أخشى العمامة التى ستحرمنى من أن أعيش طفولتى وصباى، وجدت ما توقعته فقد صعدت لمنبر القرية وأنا فى الحادية عشرة من عمرى وألقيت خطبة الجمعة وقبل المصلون يدى وحرم علىّ حينئذ أن ألعب بكرة الشراب فى شوارع البلدة أو أسبح عارياً فى الترعة أو أرمق بالشغف إحدى البنات، فقد صرت شيخا لا ينبغى له سوى الجد والاجتهاد. صار التفوق فى الدراسة هو عزائى الوحيد، لكنى أصبت بعيب لا حيلة لى فى دفعه، فبقدر سرعتى فى الحفظ كنت سريع النسيان، فذاكرتى مثل الغربال، لا تستبقى سوى ما يلتصق بالفهم، وفوجئت بأن الدراسة الأزهرية تعتمد على التكرار البليد والاستذكار العنيد، ليس فيها أى مجال لحرية كسر القواعد أو الخروج على النصوص،

وقد وجدت فلاحى فى الاستغراق الممتع فى قراءة الأعداد المتراكمة فى خزانة بيتنا من مجلة رسالة للزيات، حيث أصبحت أتلذذ فى صياغة أسلوب رئيس التحرير وبلاغة مقالات الرافعى وسحر طه حسين وطرافة زكى مبارك والمازنى، اكتشفت بعد ذلك الكتب ففرحت بعميد الأدب العربى عندما انتقم لى بنقد التعليم الأزهرى فى «الأيام» ولاعب الشيوخ وأرهقهم فى عبثه بالشعر الجاهلى وإنكاره لقداسة القدماء وحفاوته بالفكر العلمى، وأعجبت بجبروت العقاد الفكرى وقدرته على صناعة العباقرة على مزاجه، لكنى ضقت بشدة من حدته فى هدم شوقى الذى كنت أعشقه. ومن الحق أن أعترف الآن بأننى مدين لهذا الحمام الأزهرى الساخن بتشكيل قدرتى اللغوية وتنمية كفاءتى فى الفهم وتمكنى من التعبير، حيث كنا ندرس النحو على إيقاعات الشعر وشواهده، ونحوم حول الآيات القرآنية نمتص منها رحيق البلاغة ونتغذى بأسرار اللغة ونتباهى بدلائل الإعجاز، ونتشرب الروح والريحان من كتب الأقدمين دون أن ننتبه إلى أنها فى نهاية المطاف تصوغ عقولنا ووجداننا على مقاس العصور القديمة دون أى اختلاف، وهذا هو خطرها الشديد، لكن قدر لى أن أنجو مبكراً من هذا المصير بفضل ظروف طارئة أسهمت فى تعزيز تمردى على القوالب الأزهرية، التحق عمى عبد الغنى بحقوق القاهرة وأقنع جدى بأن يصحبنى معه إلى العاصمة فحولت إلى المعهد الثانوى فيها، وخضعت لأكبر عملية «غسيل مخ» ممنهجة عندما ارتاح عمى إلى قدرتى على القراءة له وهو مضطجع على أريكته، أخذت أقرأ له بانتظام وتدبر جميع مواد وكتب القانون الدستورى والمدنى والجنائى والإجراءات والاقتصاد والدولى والنظريات المطولة عن القانون الرومانى فاكتشفت أن الضيق الذى تصوره العلوم الأزهرية محدود وفقير وقديم، دخلت بوابة العصر الحديث بعد أن أعادت الحقوق صياغة عقلى بالنظم السياسية والتشريعات الاقتصادية والاجتماعية والوعى بمراحل تطور الحضارة الإنسانية، كما تكفلت القراءات الحرة بالانفتاح على الحيوات الفنية الإبداعية فى السينما والمسرح والشعر والفنون التشكيلية، أدمنت التردد اللاهث على الندوات والمحاضرات العامة المتعددة فى الليلة الواحدة بالقاهرة نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، ثم التحقت بكلية دار العلوم لأفر رسميا من الجبة والعمامة وأدخل رحاب الجامعة المختلطة وأشهد أمام عينى صراع القديم والجديد فى أحلى صوره، فهناك فريق من الأساتذة التقليديين يكررون علينا ما سئمنا منه فى الأزهر من نحو وفقه وبلاغة، لكنهم يتضاءلون ويصبحون أقزاماً عندما نقارنهم بكوكبة طليعية من أساتذة الأدب والنقد والفلسفة يدرسون لنا علوم اللغة والنقد بمعارفهم التى اكتسبوها من أعرق الجامعات الغربية، تبين لى بوضوح قاس الخيط الأبيض من الأسود وعرفت ماذا أبغى وما أقصد.

أن أكون ناقداً:

فى هذه المرحلة الجامعية، وحتى من قبلها، كنت قد اختبرت بقسوة إمكاناتى الإبداعية فى الشعر والقصة فلم أرض عنها، مارست نقد الذات بحدة، ونما لدىّ وعى نقدى جارف ينشب أظافره فى كل نواحى الحياة فى السياسة والاجتماع والأدب والإبداع، قرأت مكتبة الإخوان المسلمين كلها ثم شفيت بسرعة من حمى الافتتان بها، اطلعت على الأدبيات الماركسية فى مصادرها المتاحة فشعرت بأنى مطعم ومحصن ضد الوقوع فى لوثتها، أرجعت ذلك إلى الجرعة الدينية التى تشبعت بها فى الصبا، لكن بقى فى قلبى تميز لا أنكره لمن عشت وسطهم من الفقراء والمحرومين، فآمنت بالعلم والعدل والجمال، كان النموذج الثقافى الناضج الذى رسخه جيل الرواد فى وجدانى شديد الفعالية فى تشكيل ذائقتى الجمالية ومنظورى الفكرى، فتنت بناقدين رسما لى حدود الرسالة التى أومن بها، هما أستاذى المباشر غنيمى هلال وشيخى الذى أعشق محاضراته وكتبه محمد مندور، رأيت احتشاء الذاكرة العلمية ونفاذ الوعى المعرفى عند الأول، وسلامة الأداء النقدى المبدع الصادق عند الثانى، عندما ظهرت نتيجة الفصل الدراسى الأول فى دار العلوم وتقربت منى زميلة أنيقة جميلة تتمرس على الكتابة الصحفية فى مجلة الكلية لتسألنى عما أريد أن أكون قلت لها إننى منذور للنقد منذ تفتح وعيى على الأدب، وعندما كان عميد الكلية زعيم المدرسة اللغوية المحدثة واختارنى لأنى أول الدفعة كى يعيننى معيداً فى قسم اللغة وعلومها أخبرته أنى سأعمل بالنقد الأدبى حتى ولو قبلت الوظيفة التى أنتظرها لأتقدم لخطبة زميلتى المذكورة وأنى سأهرب منه عند أول منعطف، ابتسم لصراحتى وسمح لى أن أسجل رسالتى للماجستير عن نظام الجملة الشعرية، لم أكمل الرسالة لأنى على استكمال تكوينى فى الجامعات الغربية، رشحت لبعثة إلى فرنسا لدراسة النقد الحديث لحساب جامعة الأزهر التى كانت بصدد التطوير، منيت بالعودة إليها لقاء المرور المتريث بأبهاء السوربون.، قطعت وزارة على صبرى حبل أحلامى عام 1965 عندما ألغت البعثات لندرة العملة الصعبة، تحولت للحصول على منحة من إسبانيا، فقبلت على أمل تجاوز الحدود إلى أملى المنشود، كنت على يقين بأننى سأظل على هامش الحركة الفكرية غير قادرعلى توجيهها بفعالية ما لم أستكمل جهازى المعرفى هناك.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق