اخبار اليوم على الرز يكتب: بين أبوظبى وطهران!

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

الكاتب اللبنانى لـ«المصرى اليوم»

من يَزُرْ أبوظبى بعين الاستكشاف لا السياحة يلحظ بالفكر المجرَّد حجم الهوة التى تفصل هذه الإمارة عن «النفس الأمَّارة» المتجسدة فى كيانات كارهة وحاقدة.. وعلى رأسها إيران.

ما بين طهران وأبوظبى ليس فقط فارق جغرافى أو خلاف سياسى أو نزاع سيادى. هو تعارض كامل فى التوجهات والخيارات وثقافة الحياة بكل ما فيها من معانى البناء والتنمية والتقدم. إيران دولة كبرى فى جغرافيتها وموقعها وتاريخها، لكن توجهاتها الحالية وخياراتها حوَّلتها إلى ميليشيا.. تخيف مواطنها وتصادر حقه فى الحياة الكريمة والحرية والتعبير والحلم والأمل والتقدم، وتفاوض وتعقد معه صفقات من فوق الطاولة ومن تحتها كما يفعل تجار السلاح لإبعاد الضغوط عنهم أو تأجيلها فيما هم متفرغون لتكريس نفوذهم فى بيئتهم.

وإن رأى المعجبون بالنموذج الإيرانى دلالات تثبت إعجابهم من خلال بقاء النهج والسلوك بمنأى عن المحاسبة، بل التمدد هنا وهناك، فإنهم نسوا فى ظل الاجترار المستمر لمواقفهم أن القصة أكبر من هروب من محاسبة وضغط وحصار، وأن «الانتصار» لا يعنى تحييد الأمريكى ومصادقة الروسى والتباهى بالنفوذ فى محور يبدأ من حدود الصين إلى شواطئ غزة. الانتصار عنوانه مواطن إيرانى قادر على التعبير عن سخطه من التخلف الضارب فى عمق بِنَى الدولة، ومن هيمنة «الثورة» على المؤسسات، ومن مصادرة كل مقدرات الوطن والمقامرة فيها بحزبٍ لله هنا وبجيش شعبى هناك و«فاطميين ونجباء» فى مكان ثالث و«عصائب» فى مكان رابع وحوثيين وجهاد إسلامى.. إلى آخر «الصناديق الاستثمارية» الخارجية لتمويل تصدير الثورة وتمدد الإمبراطورية الفارسية.

انتصار إيران ليس فى رفع حصار عن مليارات محاصرة، بل فى عدم استخدام هذه المليارات لحصار عشرات ملايين البشر فى الداخل والخارج. هذا انكسار ممزوج بالتخريب والقهر، فما معنى أن تكون دولة نفطية ومستويات الفقر فى بعض المناطق والمحافظات والقرى أسوأ من مثيلاتها فى بنجلاديش؟ ما معنى أن تتشدق بأنك الأكثر إنفاقاً على المشاريع العلمية ليتضح فى النهاية أنها الكلمة الغطاء لتجارب صاروخية سيكشف الزمن أنها مُعدَّة للتصدير والتخريب وليس للدفاع؟ ما معنى أن تصادر حق الإيرانى فى العيش الكريم وأنت تُطرب آذانه كل يوم بضرورة التضحية والتحمل، لأن المقدرات تذهب لدعم مقاومين وممانعين يتصدون للشيطان الأكبر، ثم تُجيَّش كل الطاقات والأموال والعلاقات لمصادقة هذا الشيطان؟

فى أبوظبى الصورة مقلوبة تماماً. هنا أنت فى قلب نموذج مختلف يدفعك دفعاً للتمنى بأن تكون كل الدول العربية مشابهة له. «الإنسان أولاً».. شعار غير مكتوب على أى بناء لكنك تراه فى كل بناء، كل شارع، كل جزيرة قديمة أو صناعية، كل مشروع. تراه فى التوأمة مع أرقى جامعات العالم، فى التوأمة مع أفضل مستشفيات العالم، فى التوأمة مع أجمل متاحف العالم، مع أكثر الرياضات جاذبية، مع الفنون الدولية والثقافات والحضارات.

فى أبوظبى مجتمع وجد فى الانفتاح سلاحاً لمزيد من الثقة لا الخوف. مزيد من اكتساب الخبرات وإتقان لغة العصر. مجتمع أقرَّ منذ بداية الخطط الجديدة السير فى خطين متوازيين لكنهما يلتقيان بعكس النظرية الحسابية: تنمية البشر وتنمية الحجر. بعض دول شرقى آسيا أنجزت انفتاحاً تكنولوجياً كان أكبر من طاقة المجتمع على التعامل معه، ما أدى إلى ضرورة تأهيل لفترة تجاوزت الجيلين، إنما فى أبوظبى تسير الأمور بالتوازى فى توليفة غريبة تثبت أن الخصوصية لا تعنى الانغلاق، وأن التخطيط السليم يبدأ من كراسة الطفل فى صفوف الحضانة، وأن الاختبارات الحضارية والعلمية والتكنولوجية تولد ثقة وصلابة، بل تدفع إلى المنافسة على تحديات الريادة.

إمارة نفطية حباها الله بثروات أخرى لا تصرف أموالها على ميليشيات هنا وهناك للتخريب ومد النفوذ. نفوذها متصل فقط برضا مواطنيها عما يحصل الآن وعما سيتركون لأولادهم وأحفادهم. ولذلك فالإمارات رهينة الإماراتيين وهم من يفرض مشروعه على الدولة. طبعاً ليست مدينة أفلاطون الفاضلة ولن تكون، والأخطاء جزء من العمل الدائم، لكن من يدير المعادلة يكفيه أنه يسأل كل يوم عن مستوى التعليم والاستشفاء والمنشآت الصناعية والزراعية وتطوير الجزر والطرق والضواحى ومشاريع العمران وخطط الإسكان.. وقبل ذلك كله عين على الأمن وقلب على وطن.

فى الطريق إلى المطار أبلغنى السائق بأن من يصطدم بشجرة يدفع غرامة فورية تصل إلى ألف درهم، أما من يحرق شجرة لأى سبب فيعامل بطريقة جنائية، إضافة إلى دفعه غرامات بمبالغ كبيرة جداً. مرة أخرى ما بين أبوظبى وطهران ليس فقط فارقاً جغرافياً أو خلافاً سياسياً أو نزاعاً سيادياً.. هو الفارق بين من يسجن حارق شجرة ومن يسجن شعبه إذا رفض المشاركة فى حرق دول وحرق شعوبها ومقدراتها خدمة لتوسع متخلف باسم الثورة والإسلام.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق