اخبار اليوم دولة الكمبوندات

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

تكريس غير مسبوق للطبقية فى وتمزيق لشرايين المجتمع من خلال تمييز لأفراده نلحظه عبر مستويات مختلفة: «الدخل، العلاج، التعليم، السكن» فعلى مستوى الدخل، سنجد من هم على درجة وظيفية واحدة ومع ذلك تتفاوت رواتبهم من ألفين إلى مائة ألف جنيه شهريا وكذا على مستوى العلاج، فعندنا من يحصلون عليه فى مستشفيات خمس نجوم وبتكلفة مادية باهظة حفاظا على حياتهم بينما هناك من يقفون فى طوابير انتظار طويلة لسرير فى غرفة إنعاش أو دور فى علاج على نفقة الدولة، وأيضا على مستوى التعليم، فمن يحصلون عليه فى المدارس الدولية ومدارس اللغات أولى بالعمل والرواتب الكبيرة من أولئك الذين يتعلمون فى المدارس الحكومية والأزهرية، أما على مستوى السكن فتلك مصيبة لما يمثله من جناية على المجتمع وتقسيم لأفراده بين: «أبناء البطة البيضاء وأبناء البطة السوداء» وأبناء البطة البيضاء هم من سعوا للانعزال بأنفسهم فى تجمعات سكنية منعزلة «جنات أرضية» يطلق عليها «كمبوندات» وهى موجودة على أطراف المدن وفى الساحلين الشمال الشرقى والشمال الغربى ومحاطة بأسوار مرتفعة للغاية ولها بوابات أمن وحراسة وفى داخلها كل ألوان الفخامة والنعيم والرفاهية وكافة الخدمات اللائقة بأبناء الأثرياء: «حمامات سباحة، بحيرات صناعية، أندية صحية، مواقف سيارات مغطاة، أماكن لرعاية الحيوانات الأليفة، ملاعب جولف شوارع مرصوفة على أعلى مستوى، خدمات تكنولوجية وسائل مواصلات متطورة» إلخ.

أما أبناء البطة السوداء فهم من يعيشون خارج هذه الكمبوندات، يتفرجون عليها ولا يمكنهم دخولها ويحلمون بالعيش فيها ولا يملكون ما يشترون به ثُمن شقة من شققها، وهنا مكمن الخطر لأننا بهذا صرنا أمام نمطين اجتماعيين ينفصل كل منهما تمام الانفصال عن الآخر سواء على مستوى الللغة أو التربية أو الدخل أو المعيشة، هذا بالإضافة إلى أن نظرة كل منهما للآخر تتباين بين الدونية والتعالى والاستعلاء، فسكان الكمبوندات يرفضون العيش خارجها لما فى ذلك من مساواة بينهم وبين أبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة لكونهما الطبقة الأدنى والأقل لعيشهم وسط العشوائيات وبين أكوام القمامة وعلى نغمات نباح الكلاب، أما من هم خارج الكمبوندات فيرون من بداخلها نمطا بشريا مدللا فى فم أبنائه ملعقة من ذهب، ولا شغل لهم ولا شاغل سوى الرقص والاحتفالات والتنزه وتحقيق الطموح على حساب «بابا وماما» ورويدا رويدا وبقدر ارتفاع الأسوار تكبر الحواجز النفسية وتتسع الهوة بين من يملكون ومن يحلمون بالملكية، بين من يعيشون حياة الجنة الأرضية ومن يعيشون فى جهنم التلوث والضوضاء والزحام والفوضى المرورية.

لكن الأسئلة التى تطرح نفسها هنا: ما الذى تستفيده مصر من تلك الكمبوندات؟ وهل بلغنا نحن المصريين من الرفاهية والراحة والاستقرار النفسى والمادى ما يجعل «مصر المائة مليون نسمة» دولة الكمبوندات؟. إذا فتشنا عن المستفيد سنجد أن شركات الاستثمار العقارى هى أول من فاز بالحصاد فقد حققت تلك الشركات أرباحا تقدر بمئات المليارات من الجنيهات ويكفى الإشارة إلى أن ما ينفقه المصريون سنويا على تلك الكمبوندات حوالى 13.8 مليار جنيه وما سبق أن أنفقوه منذ ثمانينيات القرن الماضى حتى عام 20012 حوالى 894.6 مليار جنيه موزعة بين الكمبوندات السكنية الصرفة والكمبوندات المختلطة والسياحية والتجمعات السكنية الفاخرة، بينما بلغ عدد المنتجعات التى بُنِيَت بالفعل حوالى 415 كمبوند على مساحة 230 مليون متر مربع، أكثر من نصفها لا يستعمل فعليا إلا لفترات محدودة جدا طوال السنة أما النصف الباقى فيتم تسقيع معظمه لبيعه بمكاسب كبيرة عند الضرورة بينما يسكن ما تبقى الطبقة التى اختارت أن تعيش مع نفسها ولنفسها.

إذن ما تم إنفاقه على الكمبوندات لم يحل أزمة الإسكان ولم يعالج الزحام ولم يبنِ مناطق راقية يتجاور فيها أبناء الطبقة الغنية مع المتوسطة، وإنما مَثَّل أسوأ صورة من صور الإهدار للثروة والموارد والأرض وتكريس مؤلم للانقسام الطبقى الذى قد يؤدى لنشر الحقد والكراهية بين من يعيشون خلف الأسوار ومن يسكنون خارجها الأمر الذى سيهدد السلم الاجتماعى حتما ويدفع الجياع يوما لهدم تلك الأسوار على رأس من خلفها والاستيلاء على ما فيها من خيرات باعتبارها حقا مشروعا ينبغى استعادته ممن اغتصبوه.

المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق