اخبار اليوم فى إصلاح الفكر الدينى: دعوة إلى إقرار مسألة التبنى (1)

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

بسم الله الرحمن الرحيم، التى تبدأ بها كل سورة فى القُرآن الكريم، تعنى بأن الرحمة وكل مُشتقاتها اللغوية هى الصفة التى اصطفاها الله عز وجل لذاته، من بين صِفاته التسعة والتسعين، التى هى أسماء الله الحُسنى. وهو ما يعنى أن الرحمة هى القيمة الأساسية فى الإسلام، مثلها مثل الإيمان، والتقوى، والعدل، والإحسان.

وأغلب الظن أن الإسلام فى تركيزه على قيمة الرحمة يشترك فى ذلك مع بقية الأديان السماوية والأرضية الأخرى.

إننى أبدأ بهذه المقدمة تعليقاً على إحدى المسائل المُؤثرة التى أوردها الأستاذ أحمد البرى فى بابه المُتميز فى صحيفة «الأهرام»، بريد القُراء، تحت عنوان «المُفاجأة القاسية»، ومُلخصها أن شاباً باراً صالحاً نشأ فى أسرة بارة صالحة، حتى أنهى تعليمه الجامعى، وشغل منصباً مُحترماً، ثم عَلِم من والده فى آخر لحظة قُبيل أن يوافيه الموت، أنه ليس والده البيولوجى الحقيقى، ولكنه كان قد تبناه لعدم القُدرة على الإنجاب، مع الرغبة الإنسانية المشروعة لإشباع غريزة الأبوة، والأمومة عِند زوجته البارة، التى لم ترد الطلاق والزواج من آخر للإنجاب وإشباع غريزة الأمومة. وأسر الأب لولده وهو فى لحظاته الأخيرة، أنه استمع ونفّذ نصيحة أحد أصدقائه بشراء طفل، من إحدى الأسواق السوداء لبيع الأطفال الذين لا يُريدهم آباؤهم لضيق ذات اليد، أو لأسباب أخرى. المُهم أن هذه المُفاجأة القاسية، أرّقت صاحب الرسالة، الذى كتب: «لقد سمعت هذه القصة المؤلمة من والدى الذى لم أعرف سواه وأنا فى ذهول. وأخذت منه ورقة باسم أبواى الحقيقيين لكى أراهما وأعرف حقيقة ما حدث وأتبين بنفسى الجريمة التى ارتكباها من إنجابى. وأسرعت إلى القرية المشؤومة، وسألت عن الاسمين المدونين بها، فنظر إلىّ الأهالى بتوجس وهم يتوهمون بأننى رجل بوليس، وأخيراً أشاروا إلى المنزل الذى سألت عن أصحابه وافتتحته بالقوة، وكانت المُفاجأة أننى وجدت رجلاً يبدوا ملامحه أكبر من عُمره بكثير. فهو هزيل الجسم وسكّير، وتجلس معه سيدة، تُدخن السجائر، وتُردّد بلا وعى: سيبونا فى حالنا.. إنتوا عايزين مننا إيه؟ فقلت إننى ابنهما الذى باعاه من سنوات طويلة. فلم يُدركا ما أقول. ولاحظت أن السيدة حينما قلت لها ذلك، نظرت إلى الأرض، وقد أصابها الذهول. وسألتها هل بعت أحداً غيرى؟ فقالت لى إنها باعت طفلاً آخر. وكان واضحاً أنها فقدت الذاكرة، وأن الموضوع انتهى بالنسبة لها منذ أن باعت وقبضت الثمن. وبعد لحظة مرت كالدهر خرجت من عِندها وتوجّهت إلى والدى فى المستشفى، وقبّلت يديه، وقلت له إننى لا أعرف أباً سواك. فلقد انتشلتنى من الضياع، وكنت لى نعم الأب، وراقبته فى المستشفى وأنا أترقب حالته، ولم تمر إلا أيام قليلة حتى فاضت روحه إلى بارئها، فبكيته بُكاءً مريراً، ووقفت أتقبل فيه التعازى، فهو أبى الذى لا أعرف غيره، وصمّمت على أن أصل إلى شقيقى الذى بيع مثلى، فخضت مصاعب عديدة، ومن شخص لآخر، ثم عرفت أنه مات. وأجدنى الآن فى حيرة بالغة، وأتساءل: هل أنا على حق فى مشاعرى، وأنا صادق فى كُرهى لأبى وأمى اللذين باعانى؟ وهل أنا صادق فى حُبى لأب جميل تبنانى وعلمنى وجعل منى رجلاً؟ وهل مثلى يمكن أن يكون إنساناً سوياً، يعيش حياته فى هدوء نفسى وطمأنينة مثل الآخرين؟.

انتهى الاقتباس من الأستاذ أحمد البرى، وأعود إلى عباءتى الخاصة، كعالم اجتماع، لأقول إن إحدى المهام المُلقاة على كاهل رجال الدين فى ، المسلمين منهم والمسيحيين، هو الاجتهاد لإيجاد تأويل لأى نصوص مُقدسة، فى الإنجيل أو القرآن، لضبط وإضفاء الشرعية على «التبنى»، فواقع الرسالة التى أوردناها أعلاه تفيض بالمشاعر الصادقة والمُعاناة، التى كان ومايزال من الممكن التعامل معها بالرحمة والعدل والإحسان.

فإذا كانت مقاصد الشريعة الإسلامية هى حماية الحياة، وكرامة الإنسان، والعدل بين الناس، فلماذا لا يُباح التبنى قانوناً، مع وضع كل الضوابط العقلانية والإنسانية لذلك؟.

لقد سبقتنا فى هذا الطريق شعوب ومجتمعات فى الشرق وفى الغرب. فهل نستطيع مُحاكاة تلك المجتمعات فى مُمارساتها الاقتصادية والمادية والثقافية، ثم نتجمد ونرفض ما اهتدى إليه بعضها للتعامل مع ظاهرة مثل التبنى؟!.

هل يعلم القُرّاء أن بعض رؤساء الولايات المتحدة، وبعض رؤساء الوزراء فى أوروبا الغربية كانوا أطفالاً لُقطاء تم تبنيهم بواسطة من لم يكونوا آباءهم البيولوجيين؟

إن الإنجاب مسؤولية الكبار وليس مسؤولية الأطفال الذين يولدون. فلماذا يُعاقب أى مجتمع النتاج وليس الأسباب؟

لماذا تسمح القوانين والمُمارسات بإلقاء الأطفال غير المرغوب فيهم فى الملاجئ أو الشوارع، بدلاً من السماح للقادرين والراغبين من المواطنين بتبنى هؤلاء الأطفال، وتنشئتهم تنشئة صالحة؟ لماذا نُصر على أن يكون المواطنون ملائكة مُنكرين لذواتهم؟ ما هو الضرر الذى يمكن أن يلحق بالمجتمع نتيجة هذا التبنى مُقارنة بالأضرار التى تنتج عن ظاهرة أطفال الشوارع؟ ألا توجد قاعدة شرعية مؤداها أن جلب المصالح يُبرر بعض المفاسد؟.

إن التحدى الذى يطرحه هذا المقال هو لرجال الدين المصريين أن يجتهدوا فى إيجاد الطُرق والوسائل والضوابط الشرعية لجعل التبنى مقبولاً قانونياً واجتماعياً، لأن فى ذلك إنقاذ لمستقبل ما يربوا على مليون طفل سنوياً، وتجنب المجتمع مخاطر مليون مُشرّد أو مُنحرف أو مُجرم مستقبلاً؟ أليس ذلك ضمن أهم واجباتهم لإصلاح الفكر الدينى، وكأن الرئيس عبدالفتاح السيسى كان ومازال يؤذن فى مالطة، أى كأنهم لا يسمعون ولا يستمعون ولا يحترمون الرجل. فلا حول ولا قوة إلا بالله!.

وعلى الله قصد السبيل

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق