اخبار اليوم نحن والإرهابى وأعمدة الدين

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

المبادئ الإنسانية مجرد تعبير عن مشاعر عاطفية، والرسول هو الضحوك القتال، والتمسك بالطقوس والحكم بشرع الله يعوض عن الجرم، وكله مباح فى ظل ما يحدث فى فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من أيقونات مجسِدة لمصائب المسلمين.. هكذا تكلم الليبى المتهم فى أحداث الواحات، الذى استضافه عماد الدين أديب، فى لقاء انتقده البعض على أساس أن الإرهابى عرض أفكاره بشكل قد يكون مقنعا للناس.

لكن هل يمكن أن يكون هناك رنين لكلام من الواضح أنه متناقض ومتهافت، مثل الذى قاله هذا الشخص؟ هذا الكلام يمكن أن يكون له رنين فقط فى حالة تبنى قطاع واسع من الناس نفس المنهج الأساسى فى التفكير رغم نبذهم الإرهاب.. أعتقد أن هذا هو الحال فعلا، كما سأحاول أن أبيّن هنا.

إحدى نقاط الصراع الأساسية بين «أديب» والإرهابى تعلقت بكلام الأول تكراراً من منطلق فكرى حديث يربط الأخلاقيات بالعقل والقيم الإنسانية النابعة عنه.. أما الشاب فاعتبر أن الكلام عن الضمير والإنسانية يعبر عن عواطف واهية، فهو لا يبالى بهذه الأشياء لأنه يفكر من «منظور عقائدى»، كما قال، والذى فى نظره يلغى الكلام عن القيم الإنسانية.. يستبدل بها قراءات ضيقة للنص، تمنحه بطاقة العضوية فى نادى العفة والتعالى باسم إعلاء الحق.

ومع القراءات الصارمة الحادة كالسيف، ومع الأهداف النبيلة والراحة النفسية فى رحاب إجماع الجماعة، تأتى رخصة القتل.. فالرسول ضحوك قتال، حسب كلام ابن كثير وابن تيمية، والشاب يتمسك بما يقولون رغم أنه يرفض مجمل نتاج العقل البشرى من نظم وقيم أخلاقية وشرعية وسياسية «وضعية»، فاستيعاب مثل هذه الأشياء يتطلب جهدا ذهنيا شاقا، فلماذا الخوض فيه، فى حين أن هناك ردودا سهلة وجاهزة من العلماء المفسرين لأسرار الخليقة؟.

هكذا يصبح الكسل الذهنى والعجز عن استيعاب نتاج الحضارة الإنسانية والتأقلم معه مصدرا للفخر، بل للتقرب من الرسول نفسه.. مصدرا للعزة، يعوض عن حقيقة الوضع البائس والإفلاس المعرفى والفكرى والأخلاقى، فكل هذه الأشياء تصبح مجرد «بدع وضعية» واهية لا أهمية لها إطلاقا بالمقارنة بالطهارة النابعة من صرامة فى اتباع النص وممارسة طقوس التقوى والتطلع لتطبيق مشيئة الرحمن وشرع خالق الكون، كما تصوره النصوص والتفسيرات المفضلة.

هنا نأتى لسؤالنا الأساسى: هل التعالى باسم اتباع طقوس الدين مقصورة على الإرهابيين، أم ما عبر عنه ضيف «أديب» مجرد أعراض متطرفة لمرض متفشٍ؟.. لقد اعترف الإرهابى بأن المصريين «سيقطعونه» إذا وقع فى أيديهم، وهذا حقيقى، لكن هل توجد رغم ذلك أوجه شبه بين نمط تفكيره وما هو سائد فى بلادنا؟.

أعتقد أن بعضها موجود بالفعل: فى فقدان الثقة فى قدرات العقل الإنسانى، خاصة فى تنظيم المجتمع وقوانينه «وضعيا»؛ فى يقين بأن الأخلاقيات ليست نابعة عن عقل مستقل أو فهم فطرى لمعنى الروحانية، إنما عن نقل يستسلم للسمع والطاعة لفتاوى الـ«علماء»، حتى أقامت لهم الدولة أكشاكا للإفتاء فى دس الدين وحذافير التفسيرات الحرفية فى كل تفاصيل الحياة، وإعلاء ذلك عن القيم الإنسانية العامة؛ فى الإحساس بالخصوصية والعزلة عن الحضارة الإنسانية المعاصرة واليقين بأننا فى حرب أزلية معها؛ فى أن الكلام عن كوارث فلسطين وأفغانستان والعراق والمؤامرات التى تحاك، يعوض عن تحكيم العقل ويحلل العنف الانتقامى العدمى، المعبر مرة أخرى عن فقدان الثقة فى إمكانية النهوض عن طريق تفعيل العقل؛ فى اتخاذ طقوس الدين مصدرا للتعالى والتسلط؛ فى ذلك «الالتزام» بالشعائر يعوض عن غياب جوهر أخلاقى رصين، بل عن نزعات لا أخلاقية صريحة (كما ادعى الإرهابى فى سياق كلامه عن أن «شرع الله فيه هوى»).

لقد تبلورت تلك النزعات على مدى زمن طويل، وتجذرت ونبتت بذورها وطرحت ثمارها، فسادت الوجدان العام تحت رعاية عشرات الدعاة، منهم من نبذته الدولة ومنهم من تبنته.. فحتى نجم لامع مثل الشعراوى لم يشكك فى أهمية التراكم الحضارى فى المجال الأخلاقى والتشريعى فحسب، إنما قلل من قيمة إنتاج عقل الإنسان حتى فى المجال العلمى.. فلم يكن يرى مثلا أن إنجازات العلماء فى خدمة البشرية يمكن أن تشفع لهم، لأنها كانت من أجل الإنسانية وليس فى سبيل الله.. فكما فى حديث الشاب الذى عرضه «أديب»، نجد أن القيم الإنسانية، المعرفية والفكرية والأخلاقية، لا مكان لها فى «المنظور العقائدى» لدى الكثير ممن أثروا على العقل المسلم، فجعلوا منه مسخاً فى عالمنا المعاصر.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق