اخبار اليوم إعصار إيرما.. وكوارثنا المصرية!

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

لست من هواة المقارنات.. لا يصح أن تقارن ديكتاتوريات بديمقراطيات.. ولا برلمانات تحاسب الحكومة بأخرى تصفّق لها.. لا يجوز أن تحلم بنواب يتحدثون بلسان الشعب بينما من حولك يسبحون بحمد الحكومة.. كل دولة لها قوانين تلائمها وبشر يعيشون بها، ولا ينفع أن تضع العربي مكان الأمريكي، أو المصري مكان الفرنسي، أو السعودي بدلا من البريطاني..

قبل أيام لجأت إلى صحف أمريكية صادرة قبل شهرين.. أجلت قراءتها لأنني كنت أنوي المقارنة بين أية كارثة تقع عندهم وأي حادث عندنا..

أقرأ الصحف الغربية منذ 40 عاما وأرى لغتها تطورت بينما تأخرت مفرداتنا وتعبيراتنا.. قصصهم الإخبارية تقرؤها كلاما لكنك تشعر أنك تراها بعينيك.. قرأت ما كتب عن إعصار «إيرما» الذي ضرب ميامي وفلوريدا.. الدولة الأقوى في تقف مذعورة تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه.. غضب الطبيعة وحش يصعب ترويضه.. سرعة الإعصار تجاوزت 200 كيلومتر في الساعة.. اقتلع كل شيء؛ السقوف والمنازل وأعمدة الكهرباء ولوحات الإعلان.. مطر لئيم لا يرحم.. وسيول تجرف الشاحنات والسيارات.. تحولت الساحات لمستنقعات يطفو عليها تسرب من داخل المنازل المهشمة.. أعلنت السلطات حالة الطوارئ.. استنفرت كل الأجهزة.. تم إجلاء الملايين.. على صفحات «النيويورك تايمز» و«يو إس توداي» و«الواشنطن بوست» تقرأ حكايات إنسانية عن عائلات تفر عارية إلا من دموعها.. هاربون يبحثون عن سقف يحمي، ورجال يشهرون أحزانهم على بيوت تعبوا في تشييدها.. كأن أنيابا هائلة انقضت على منطقة واسعة وانغرزت في أحشائها.. تدفق الدم والوحل والرعب.. إعصار «إيرما» دخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية قدرت الخسائر بـ 150 مليار دولار.. ستعاني منازل كثيرة من الظلام بانتظار انطلاق ورش الإصلاح..

رغما عني وجدت نفسي أعقد مقارنة بين خسائر إعصار إيرما وبعض كوارثنا المصرية التي تقل كثيرا عنه.. يقتل سنويا في حوالي ستة آلاف شخص في حوادث الطرق.. كوارث القطارات أصبحت عنوانا دائما في صحفنا.. انهيار المباني والعمارات المخالفة.. وفاة أطفال في الحضانات.. إلقاء مرضى أمام المستشفيات لعدم وجود أماكن أو لعدم تسديد فواتير العلاج.. تلاميذ يجلسون على الأرض لتلقي العلم بينما تتحدث الحكومة عن إنشاء أول وكالة مصرية للفضاء..

نحن اعتدنا على كوارثنا ومصائبنا.. نقول قضاء وقدرا.. الحوادث تقع في العالم كله.. ندفع تعويضات هزيلة.. ويصدر بيان رسمي عن أي مصيبة.. ثم ما يلبث أن يصدر غيره بكلمات مختلفة بعد تكرار الحادث؛ وهكذا دواليك..

انظر إلى برلماننا الموقر وقارن ما يحدث عندنا بما جرى في الكونجرس الأمريكي.. ثمه دولة كاملة في واشنطن.. ورأي عام يتابع ويحاسب ويحاكم.. مجلس النواب المصري لم يستدع أي وزير في الحكومة لسؤاله عن أحوالنا المتردية صحيا واجتماعيا ومعيشيا وتعليميا.. نوابنا مكتفون بالمسكنات التي يعلنها الرئيس بين الحين والآخر، بينما هم متفرغون لبيع تأشيرات الحج أو المطالبة بزيادة مكافآتهم لمواجهة غلاء المعيشة أو غير ذلك.. ماذا فعل أهل الكونجرس الأمريكي؟ لا يوجد هناك معارضة أو أغلبية في الأمور التي تخص حياة الشعب.. الديمقراطيون والجمهوريون قدموا تساؤلات هامة.. هل كانت أجهزة الدفاع المدني والإنقاذ مهيأة للقيام بواجبها؟ هل تم تحذير السكان قبل وقت كافٍ.. ما هي الدروس التي يمكن استخلاصها حتى تكون الخسائر أقل حين تعاود الطبيعة غضبها بعد سنوات أو عقود..

لم أقرأ كلمة واحدة عن ميراث ثقيل من السنوات السابقة! أو أن حكومات أوباما وبوش وكلينتون أهملت المرافق الأساسية.. أو أن الفساد مستشرٍ وتمكن من الأجهزة المحلية وإدارة ترامب متفرغة لاستئصاله..

أعاصيرنا في مصر والمنطقة العربية مختلفة.. أخطر كوارثنا هي الإرهاب.. وللأسف تتكرر حوادثه ونستسلم لمنطق أننا رأس حربة العالم لمواجهته.. وقدرنا أن يسقط منا قتلى يوميا.. نشيع الشهداء بالدموع.. إلى أن جفت المآقي..

يفضحنا إعصار الإرهاب.. يكشف في النهاية أننا لا نملك إلا أن نقول إننا بلدان مهدورة.. ومؤسسات مهدورة.. ولا الأمن ينقذ المواطن من السفاحين ولا الدستور يحمي حقوق الناس.. ولا المحاكم تتجرأ على التحرش بالمرتكبين.. يهزنا الإعصار فنرجع ساحة لكل أنواع الوافدين.. كأننا حقل تجارب للقنابل والسكاكين.. للباحثين عن حروب بديلة.. وللحاملين أفكارا أكثر غدرا من الخناجر.. لمروجي السياسات المهوسة بالثأر وتغيير موازين القوى بالدم المحلي.. لمروجي الظلم والظلام والكهوف.. للقساة من كل اتجاه..

يستطيع غضب الطبيعة اقتلاع سقف وجرف سيارات وكسر أعمدة.. لكنه لا يستطيع تفكيك دولة وشرذمة خريطة.. غياب الدولة الحقيقية هو ما يطلق يد الأعاصير.. لا تستطيع عواصف الخارج اقتلاع دولة مبنية على المواطنة والعدالة.. دولة يضمن دستورها حقوق مواطنيها ويحدد آليات تداول السلطة والتصحيح.. ثغرات الداخل هي الحليف الأول للرياح المسمومة الوافدة من الخارج.. مشاعر التهميش هي التي تغري بالقفز من القطار وزرع العبوات لتفجيره أو حرف مساره..

إن الدولة العصرية الحقيقية هي الحصن والملجأ.. هي أرض الخير والمستقبل لنا ولأبنائنا وأحفادنا.. فيها عزنا وعيشنا.. مؤسساتها وأهلها هم أهم مصدر قوتها بغض النظر عن مواردها.. نحن نسقط أحيانا في فخ حكوميين وإعلاميين محبين للسلطة.. ولأنهم طارئون عليها يخشون أن يفقدوها.. فيذيقونا العذاب.. هؤلاء ما كانوا ليظهروا إلا لضعف المؤسسات أو عدم صيانتها وفقا لتطور الزمن وتغيير شكل الحياة.. الشعوب الواعية هي التي ترفض كل من يفرقهم.. فالعمل من أجل الجميع هو الوطنية الحقة بل الإنسانية الحقة..

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق