اخبار اليوم وقديما كان فى الناس الحُب

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

الحُب يعيد الاعتبار إلى القلب، ذلك المُستودَع الحاوى أسرارًا ورموزًا ودلالات وإشارات وأحوالا لا حدَّ لحصرها، لأنه من دونه يصبح عضلةً فى جسد الإنسان تقوم بدورها الوظيفىِّ فقط، أما مع الحُب فيكون القلب ملآنَ كبحرٍ لا تنفد مياهه من فرط الحُب وعُمقه.

فغياب الحُب يُفْقِر القلب، ويعزله فى زاويةٍ قصيَّة لا يدركها أحدٌ، فالحُب يضْفِى معنىً آخر عاليًا للقلب، ويجعله راعيًا للنجوم فى فيضها، ويُصيِّرُه فى مكانةٍ أسمى وأرقى، حيث تتحوَّل قيمته المادية إلى قيمةٍ معنويةٍ، لأن العُضو الذى لا يعمل يفسد، ويتيبَّس ويموت فى النهاية.

فتُرُوس القلب التى تشتغل من دون أن تحمل اسمًا تعشقه، كأنها تساوى تُرُوس آلةٍ تعمل من دون أن يكون هناك شىء بين أنيابها تطحنه أو تُخرِجه أو تقوم به، فقط تعمل لأنها متصلةٌ بالكهرباء.

فالقلب الذى يرى ويُصغِى يكشف السرَّ، ويفكّ رمُوز الحقائق اللامرئيَّة، ويدرك البُعد الكونىَّ للوجُود، والوصُول إلى الحقيقة الكليَّة المطلقة، واليقين التام، باعتبار أن هذا القلب موجودٌ فى سماء الإنسان الكامل. فالقلب عندما يعشق يصل إلى ما هو خفىٌّ بفضل وصْلِه مع مَن يُحب، ويتبدَّى له ما وراء الأشياء والموجُودات والأفعال الحِسيَّة والمعنوية، ويتيسَّر له كشف ما هو سامٍ ومُقدَّسٌ فى الحياة من حوله، ويدرك- بيسرٍ ما هُو إلهىٌّ، ولعل ذلك ما جعل يحيى بن معاذ الرازى (258 هجرية- 830 ميلادية)، يقول فى أمر أهل القلب من العشَّاق: «لو أمرنى الله أن أقسم العذاب بين الخلق ما قسمت للعاشقين عذابًا». والقلب لمَّا يعشق، يصبح خياله تامًّا ومكتملا، لا يعرف التنافر، بل يبقى فى الجذب والأسْر، لا يدركه مللٌ ولا رتابةٌ، ويحيا ألف عمرٍ فى عمرٍ واحدٍ، يعيش أزمنةً لا زمانًا واحدًا، حيث يصير مُلمًّا بجغرافيات جسد ورُوح مَن يحب وأزمنتها، وكذا أزمنة باطنِه، وما حوله من كائناتٍ وجماداتٍ، ويصير كل ما حوله فى صُورةٍ مُغايرةٍ ممَّا كانت عليه من قبل ولادة الحُب، لأن عُمر الإنسان يُقاسُ فى رأيى بما (قبل الحُب)، وبما (بعد الحُب).

وإذا كنتُ قد قرأت مبكِّرًا فى الإنجيل أنه (فِى الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ)، وقرأتُ فى «الإمتاع والمؤانسة» لأبى حيان التوحيدى (310- 414 هجرية/ 922- 1023 ميلادية): (الكلامُ ينبعثُ فى أوَّل مبادئه إمَّا من عفو البديهة، وإمَّا من كدّ الرّويَّة، وإمَّا أن يكون مُركَّبًا منهما، وفيه قواهما بالأكثر والأقل، ففضيلة عفو البديهة أنه يكون أصفى، وفضيلة كد الروية أنه يكون أشفى، وفضيلة المُركَّب منهما أنه يكون أوفَى)، لكنَّنى صرتُ- أيضًا- أكثر قناعةً بأنه يمكن القول «أو الاستبدال»: فى البدء كان العشق، خُصُوصًا فى مقولة أبى حيَّان التى يؤكِّد فيها مبدأ العفْويَّة والصفاء:

(العشقُ فى أزَلِ الآزالِ مِنْ قِدَمٍ/ فيه به مِنْهُ يبدو فيهِ إبداءُ/ العشق لا حَدَثٌ إذ كان هُوْ صفةً/ من الصّفاتِ لمَنْ قَتلاهُ أحياءُ/ صِفاتُهُ منْهُ فيهِ غَير مُحْدِثَةٍ/ وَمُحدَثُ الشىء ما مبداهُ أشياءُ/ لمّا بدا البَدءُ أبدى عِشقُهُ صِفَةً/ فيما بَدا فتلالا فيه لألاءُ/ واللامُ بالألف المعطوفِ مؤتلِفٌ/ كلاهما واحدٌ فى السبْقِ معناءُ/ وفى التفرُّقِ اثنانٍ إذا اجتمعا/ بالافتراق هما: عبدٌ ومولاءُ/ كذا الحقائق: نارُ الشوق مُلتَهبٌ/ عن الحقيقةِ إن بَاتوا وإن ناءوا/ ذَلُّوا بغيرِ اقتدارٍ عندما وَلِهوا/ إن الأعزَّا إذا اشتاقوا أذلاءُ- الحلاج (244- 309 هجرية/ 858- 922 ميلادية).

والعرب جُبلت على الغزل، فأهل البادية قومُ عشقٍ وسمَر، ومَن يدرس عصر عمر بن أبى ربيعة (644 ميلادية/ 23 هجرية- 711 ميلادية/ 93 هجرية) سيجد نساءه (سيدات قريش المترفات الأرستقراطيات اللواتى عشن حريةً لم تُتح لغيرهن من نساء الجزيرة العربية) من عِلية القوم، حيث الحسب والنسب والثراء، قد انشغلن بالعشق مثل عائشة بنت طلحة (هى ابنة طلحة بن عبيدالله، أحد العشرة المبشَّرين بالجنة، وأمها أم كلثوم بنت أبى بكر الصديق، وخالتها عائشة بنت أبى بكر، وزوجة مصعب بن الزُبيْر)، وهى القائلة: «إنَّ الله تبارك وتعالى وَسَمَنِى بِمَيْسَمِ جَمَالٍ أَحْبَبْتُ أنْ يراهُ الناس ويعرفوا فضْلى عليهم، فما كنت لأسترَهُ، وَواللهِ ما فِىَّ وَصْمَةٌ يقدر أن يذكرنى بها أحد». قال الذهبى فى «سير أعلام النبلاء»: «كانت عائشة أجمل نساء زمانها وأرأسهن، وحديثها مخرّج فى الصحاح».

وأيضا مثل: سُكينة بنت الحسين، وفاطمة بنت عبدالملك بن مروان، وزينب بنت موسى، وهند بنت الحارث المرية.

وعمر بن أبى ربيعة (الشاعر المُترف الذى قضى حياته كلها فى مكة) ليس من شعراء الغزل المُوحِّدين، أى الذين لهم رؤية وحدانية فى الحُبِّ، حيث لا يكتفى بامرأةٍ واحدةٍ، شاعر- إنسان مُتعدِّد فى العشق، ومثله الأحوص والعرجى (وهو حفيد عثمان بن عفان، وقد اتهمه والى مكة- وكان خصمًا له- فى دم، فعذبه وحبسه، فمات فى سجنه). وقيس الرقيات (وقد سمِّى بهذا الاسم، لأنه كان يتغزَّل بثلاث نساء كلهن يحملن اسم رُقيَّة، وقد توفى سنة 85 هجرية) وسواهم من الشعراء غير الموحدين. والغزل- كما جاء فى القاموس- هو اللهو مع النساء ومحادثتهن ومراودتهن.

أما الشُّعراء الذين لم يحبُّوا سوى امرأةٍ واحدةٍ طوال حياتهم، وعُرِفَ عنهم تغزُّلهم فى المرأة التى عشقوها، أو بقوا على حبهم زمنًا طويلا، فعلى رأسهم:

جميل بُثينة، وكُثيْر عزَّة، ومجنون ليلى (قيس بن المُلوح)، وقيس لُبنى، وعُروة بن حزام، صاحب عفراء، (وقد ضُرب فى عُروة بعشقه المثل، لأنه كان أطولهم صبوة، وأكثرهم فى العشق كثرة)، وتوبة بن الحمير، عاشق ليلى الأخيلية، والمؤمل عشق الذَّلفاء، والمرقش عشق أسماء، والمرقش الأصغر عشق فاطمة بنت المنذر، وعروة بن حزام عشق عفراء، وعمرو بن عجلان عشق هند، وعلى بن أديم عشق منهلة، والمهذب عشق لذة، وذو الرمة عشق مية، وقابوس عشق منية، والمخبل السعدى عشق الميلاء، وحاتم طىء عشق ماوية، ووضَّاح عشق أم البنين، والغمر بن ضرار عشق جُمل، والنمر بن تولب عشق حمزة، وبدر عشق نعم، وشبيل عشق فالون، وبشر عشق هند، وعمرو عشق دعد، وعمر بن أبى ربيعة عشق الثريا، والأحوص عشق سلَّامة، وأسعد بن عمرو عشق ليلى بنت صيفى، ونصيب عشق زينب، وسحيم عبد بنى الحسحاس عشق عميرة، وعبيدالله بن قيس عشق كثيرة، وأبوالعتاهية عشق عتبة، والعباس بن الأحنف عشق فوز، وأبوالشيص عشق أمامة، «وأما من عشق من الشعراء فما يحصرهم عدد، ولا يحصيهم أحد. وقد عشق أكثر العرب، بل كلهم قد عشق» كما يذكر الوشَّاء (تُوفِّى سنة 325 هجرية/ 936 ميلادية) فى كتابه «الموشَّى».

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق