اخبار اليوم د. رضا شحاتة مساعد وزير الخارجية الأسبق يقرأ ويحلل مذكرات عمرو موسى: «كتابيه».. تحليل واستقراء لسيرة ذاتية وموضوعية «٤»

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

- رأى عمرو موسى له عمق اليقين أن المخرج والحل عندئذ واليوم وغداً سوف يظل هو الديمقراطية، وهو يرى حتى اليوم خاصة بعد تجربة عمله الثرية فى الهند (التى سوف نتناولها بعد قليل) والتى تؤكد هذه البديهية، فالهند إبان عقدى الناصرية كانت لاتزال تعانى من فقر الملايين، ومن تخلف فى الاقتصاد والتعليم والصحة والبنية الأساسية وهى نفسها مشاكل عندئذ وربما إلى اليوم، بل وأضاف إليها فى الهند إشكاليات تعدد الأعراق والمذاهب والطوائف والطبقات والأديان والهوة الشاسعة بين الأغنياء والفقراء فى ولايات الهند المترامية لكن تجربة الهند منذ أربعينيات القرن الماضى تقطع بأن الفقر وحده لا يمكن أن يحول دون ازدهار ونجاح النظام الديمقراطى فى ظل التعددية والقواعد الدستورية المستقرة وتناوب السلطة وترسيخ الحريات والحقوق الأساسية.

- هذه التأملات المبكرة لعمرو موسى التى حاول من خلالها استكشاف مواطن الخلل والقصور التى انتهت بهزيمة 1967 قد هدته فى الحقيقة إلى أن يستذكر تجربته الأولى منذ ستينيات القرن الماضى وتحديداً عام 66 حين كان يجلس مع صديقه وزميله وهما فى مقتبل حياتهما الدبلوماسية «السفير عبدالرؤوف الريدى»، حين كانا يجلسان خلف الزعيم عبدالناصر فى لقائه مع رئيسة وزراء الهند أنديرا غاندى يحرران معاً نصوص محضر المقابلة، منذ ذلك الوقت تطلع موسى إلى تجربة الهند ليس فقط فى سياستها الخارجية وتحالفاتها الدولية، بل فى نظام حكمها وتقاليدها الديمقراطية التى أوصلتها إلى مكانتها الدولية المرموقة رغم كل مشكلاتها البنيوية الداخلية (التجربة الدبلوماسية لعمرو موسى سفيراً لمصر فى الهند سوف تأتى فى معرض الحديث عن تجاربه الدبلوماسية ما بين المؤتمرات الدولية والهند ومندوب مصر الدائم فى الأمم المتحدة). وربما كان هذا ما دفعه فيما بعد لأن يختار بعد حوالى 20 عاما أن يفضل عمله الأول سفيرا لمصر فى الهند بدلاً من جنيف قلب أوروبا والعالم.

ـ ظلت الآثار السياسية والنفسية لهزيمة 1967 تؤرق الفكر السياسى لعمرو موسى إبان عمله فى القاهرة فيما نسميه الأنساق العليا للسياسة الخارجية المصرية فى مكتب وزير الخارجية «محمود رياض» أو فى المطبخ الصغير الذى يضطلع بقضايا الأمم المتحدة ومجلس الأمن أى إدارة الهيئات الدولية التى كانت تشكل مع مكتب وزير الخارجية الخلية الحية لملف المفاوضات بين مصر وإسرائيل، وتتابع جولات وسيط الأمم المتحدة عندئذ «جونار يارنج» دون تحقيق أى تقدم فى انسحاب القوات الإسرائيلية ورغم وساطات فالدهايم، سكرتير عام الأمم المتحدة، ودون أى تقيد أو التزام من جانب إسرائيل بقرار مجلس الأمن 242 فى نوفمبر 1967، مع استمرار الاحتلال الإسرائيلى لسيناء وللجولان السورية وللضفة الغربية وغزة ودون اكتراث بأى إشارة لعدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة، كما يقول منطوق القرار.

■ ■ ■

- تولى الرئيس السادات مقاليد الحكم 1970 بعد وفاة عبدالناصر ثم قدم مبادرته السياسية الأولى فأعاد فتح قناة السويس مقابل انسحاب إسرائيلى جزئى، لكن إسرائيل لم تستجب وتفاقمت الضغوط الداخلية فى مصر، وظل السادات يبحث عن الاستراتيجية والسياسة والطريق الصحيح لتغيير هذا الواقع ربما ما يشبه الانقلاب فى الموازين السياسية العسكرية، وكان واضحاً كما تقول وثائق أمريكية كثيرة أن السادات كان قد بدأ يفكر جدياً فى قلب الموازين العسكرية ربما بحرب يعد لها فى اتجاهات ثلاثة هى حشد الجهود العربية والتعبئة الدولية وقيادة معركة دبلوماسية فى المحافل الدولية يسعى من خلالها لحرب شرسة طويلة تمكنه من بعض أدوات القوة للحديث مع واشنطن من موقع تفاوضى أفضل.

- كانت البدايات هى تحريك وتكليف المجموعة العربية فى واشنطن للاتصال بكسينجر، وزير الخارجية الأمريكى عندئذ (مستشار الأمن القومى من قبل)، ومع الرئيس نيكسون، لتحفيز الإدارة الأمريكية للتجاوب مع المطالب العربية، هذا فى الوقت الذى كان فيه السادات يستعد لاستخدام أشد الأسلحة الفعالة فى أيدى الدول العربية وهو (البترول) فى معركة متكاملة سياسية وعسكرية واقتصادية ودبلوماسية شاملة على الأبواب.

- اتخذ السادات قراره الاستراتيجى مع قيادته العسكرية فى القاهرة، (وبالتنسيق مع الرئيس السورى الراحل حافظ الأسد) لكن حرص السادات الشديد وخشيته القصوى على تأمين وضمان أقصى درجات السرية لهذه الحرب والإعداد لها ربما يكون قد دفعه لأن يحجب كما يروى موسى فى مذكراته هذه المعلومات الدقيقة حتى عن قيادته السياسية (الوزير محمد حسن الزيات) الذى كان يقود وفد مصر فى الأمم المتحدة عندئذ والذى سجل وقائعه عمرو موسى، العضو النشط فى وفد مصر، وهو يتلقى المعلومات الأولية عن أن شيئاً ما يلوح فى الأفق باحتمال الصدام المسلح بين مصر وإسرائيل، ولكن دون أن يكون وزير خارجية مصر على معرفة ويقين وفى الصورة الكاملة يومئذ أو حتى بإخطار أولى مسبق لما يجرى من استعدادات حتى يتأهب له مع فريقه الدبلوماسى وهو يواجه قادة وساستها فى الأمم المتحدة فى معركة المفاوضات القاسية (حول القرارات 338- 339- 340 التى أكدت قرار مجلس الأمن السابق 242 وبنت على منطوقه مع الدعوة لمفاوضات بين أطراف النزاع (وقد اختلفت روايات المعاصرين للحرب بأن الزيات كان يعرف أو لا يعرف قرار الحرب).

- هذا الظلام أو الإظلام السياسى الذى وضع فيه السادات وزير الخارجية وصل به إلى أنه كان على معرفة بتطورات القتال من وكالات الأنباء ومن السفراء فى نيويورك فتأثر بكل ذلك برغم ما أوتى من قدرات سياسية ومهنية رفيعة.

- هذا الإحساس بنشوة النصر واستعادة الهيبة والرأس المرفوع لممثلى مصر، خاصة فى قاعة مجلس الأمن ومصر تقف عندئذ موقف المنتصر، هذا المناخ أعاد للدبلوماسى المصرى (موسى) فى هذا المحفل الدولى إحساساً جديداً رائعاً بأن مصر قد بُعثت من جديد بعد سنوات الإحباط والهوان وهو لم يزل يستذكر تلك اللحظات فى صفحات «كتابيه» عن حرب أكتوبر: مقدماتها ومسرح إدارتها على الصعيد الدولى، ورصد خبايا وكواليس مجلس الأمن وحقائق الدور الأمريكى والبريطانى فى صياغة هذا القرار المرجعى حتى اليوم لأى مفاوضات منظورة لعملية السلام، بكل ما تثيره من جدل قانونى حول التفسيرات المتباينة لقرار مجلس الأمن 242 الذى صاغه الدبلوماسى البريطانى الداهية لورد «كارادون» بحذف أداة التعريف الشهيرة «ال» من النص الإنجليزى للقرار ودون اعتبار للمبادئ العامة التى وردت فى الديباجة عن عدم جواز الاستيلاء على الأراضى بالقوة، والأخطر أن هذين القرارين التاريخيين إنما صدرا تحت الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة الذى يتحدث عن الوسائل السلمية فقط، وليس تحت الفصل السابع الذى ينص على اتخاذ التدابير الملائمة «العقوبات القسرية» التى تفرض على إسرائيل.

- لكن التطورات العسكرية فى مسرح القتال كانت فيما يبدو تسابق التحرك الدبلوماسى الدولى ولم يترجم نتائجها نصر أكتوبر العظيم ترجمة كاملة بحيث تؤدى إلى انسحاب كامل إلى حدود مصر الدولية.

- عندئذ جابهت الدبلوماسية المصرية تحديات جديدة ظلت تسعى جاهدة بكل ما أوتيت من أدوات تفاوضية لأن تترجم الإنجاز العسكرى الاستراتيجى وتبنى عليه واقعاً سياسياً جديداً من خلال مفاوضات شاقة سياسية وعسكرية، كان أبطالها من الجانب المصرى وزير خارجية مصر الجديد إسماعيل فهمى (ممثل مصر المرموق فى الأمم المتحدة ووكيل خارجيتها ووزير السياحة والخارجية بالنيابة)- كان قد حل محل الدكتور الزيات- ولكن بأفق سياسى مختلف وشخصية صعبة المراس لا تقبل التدخل وتعلى شأن الاستقلالية والاحترافية، وقد انعكس ذلك فى أداء أقوى للدبلوماسية المصرية فى إدارة مفاوضاتها ومباحثاتها مع أشد الخصوم عداءً ودهاءً والذين مثلهم على الجانب الأمريكى نظيره وزير الخارجية هنرى كسينجر (الذى تولى منصب مستشار الأمن القومى من قبل، وهو الذى كان قد أدار فى واقع الأمر السياسة الخارجية الأمريكية خلال حرب أكتوبر 1973).

- كان السادات فى ذلك الوقت قد بدأ يعقد العزم على القيام باختراق سياسى تاريخى كبير يغير به وجه السياسة فى الشرق الأوسط وربما فى العالم بعد أن كان قد توصل إلى قناعة شبه كاملة بأن الولايات المتحدة تمتلك 99% من مفاتيح الأزمة، خاصة أن محاولة فاشلة للحل انتهت قبل أن تبدأ عملها الحقيقى وذلك عبر أول مؤتمر دولى يعقد فى جنيف فى ديسمبر 1973 لترتب اجتماعات ثنائية بين العرب وإسرائيل (غابت عن الاجتماع برعاية الأمم المتحدة ورعاية الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة، ومشاركة مصر وإسرائيل والأردن ولم تدع منظمة التحرير الفلسطينية).

- أما بالنسبة للسادات، ومن المنظور السياسى التحليلى لموسى الذى سجل نص كلمة إسماعيل فهمى فى المؤتمر، فيدل على أن الاجتماع الدولى لمؤتمر السلام حيث كان هو الاجتماع الأول والأخير الذى ضم مصر وإسرائيل والأردن ورعاية الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى قد تم فى ذروة صراع القطبين العظيمين وحربهما الباردة فى مطلع السبعينيات من القرن الماضى، فكان جهداً دولياً عبثياً ضائعاً يضاف إلى عشرات الجهود والمبادرات الدولية السابقة.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق