اخبار اليوم بين سوريا وفلوريدا

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

أعتقد أنه لا يجب تجاهل المقارنة بين الجمهورية العربية السورية وولاية فلوريدا الأمريكية، ذلك أن المساحة متقاربة جداً، ١٨٥ ألف كلم مربع فى الأولى، و١٧١ ألفاً فى الثانية، كما عدد السكان أيضا، ٢٣ مليوناً فى الأولى و٢١ مليوناً فى الثانية، الأولى منكوبة بكارثة الحرب منذ ما يقارب الست سنوات، والثانية منكوبة بكارثة الطبيعة منذ ستة أيام، أكثر من ثلث سكان أصبحوا لاجئين بالداخل والخارج، أيضاً نحو ثلث سكان فلوريدا (6.5 مليون نسمة) أصبحوا لاجئين داخل الولايات المتحدة، قنابل وصواريخ ومدافع الدول العظمى خلال السنوات الست كلفت السوريين خسائر تزيد على ٣٠٠ مليار دولار لإعادة الإعمار هناك، كما خسائر الإعصار فى أيامه الثلاثة الأولى كلفت الأمريكيين- المؤمّن على ممتلكاتهم- الرقم نفسه لإعادة إعمار الولاية.

الفروق أيضاً واضحة بين الحالتين، فى الحالة السورية كان القصف يستهدف المدنيين، سواء من النظام أو الميليشيات أو الدول المشاركة فى الحرب، لذا فإن عدد الضحايا يزيد على ٦٠٠ ألف قتيل، أما فى حالة فلوريدا فقد كانت التعليمات بالحذر والرحيل مبكرة، لذا فإن عدد الضحايا لم يتجاوز ١٥ شخصاً، فى مخيمات اللاجئين السورية قضى البرد القارس على المئات من الأطفال والنساء الذين لم يجدوا أى مساعدات فى السنوات الأولى للحرب واللجوء فى ظل ظروف معيشية غاية فى السوء، بينما فى حالة فلوريدا رأينا الصليب الأحمر الأمريكى وهو يزود «كلاب» المهاجرين ببطاطين خاصة، وغذاء خاص، وأيضاً أماكن إيواء خاصة فى خدمة أشبه بفنادق الخمسة نجوم، لم نر نهباً ولا سرقات فى الحالة السورية، رأيناه فى أبشع صوره فى الحالة الأمريكية استغلالاً للموقف!!

تعتبر سوريا جنبًا إلى جنب مع ومصر أقدم مواقع مهد الحضارة البشرية، فتح الإسلام أغلب المدن السورية سلماً عام ٦٣٦ ميلادية أيام خلافة عمر بن الخطاب، وتحت قيادة أبوعبيدة بن الجراح، بعد فترة وجيزة من الفتح كانت سوريا أحد معاقل الحرب الأهلية الأولى فى الإسلام والتى انتهت عام ٦٦١ بتأسيس الدولة الأموية، وانتقال عاصمة الخلافة إلى دمشق، استمر الأمويون فى حكم سوريا ١٣٢ عاماً، ازدهرت خلالها البلاد وانتعش اقتصادها وحركتها الفكرية.

ولاية فلوريدا تعد من أهم الولايات الأمريكية، هى فى اللغة الإسبانية (أرض الزهور)، يعرفها الأمريكيون بـ(ولاية الشمس المشرقة)، نظراً لأنها تضم عدداً من المدن المشهورة بجاذبيتها السياحية على مستوى ، وشواطئها المتنوعة، وطقسها الدافئ، تضم الولاية ٤١٠ بلديات، عبارة عن ٢٨٢ مدينة و١٠٩ بلدات و١٩ قرية موزعة على ٦٧ مقاطعة، ويقع جزء كبير من الولاية على شبه الجزيرة بين خليج المكسيك والمحيط الأطلسى.

نعود إلى كارثتى الحرب والطبيعة، فى الحالة السورية كانت الأموال العربية، وتحديداً الخليجية، هى وقود الحرب هناك، ما بين دعم داعش والتنظيمات المسلحة عموماً، وما بين دعم النظام، وحتى دعم الدول الكبرى المشاركة فى القصف اليومى، بينما فى حالة فلوريدا كان إعلان العواصم الخليجية عن حجم مساعدات مالية كبيرة لإغاثة المنكوبين أمراً مثيراً للاهتمام، فى الوقت الذى مازال يعانى فيه لاجئو سوريا، ولاجئو بورما، ولاجئو أفغانستان، وحتى لاجئو فلسطين بالداخل والخارج، ناهيك عن المواطن اليمنى الذى نهشته الكوليرا بفعل المال العربى.

أمر عظيم أن تمتد يد السخاء والمساعدات العربية أو النفطية الخليجية تحديداً إلى كل مكان فى العالم، لا فرق فى ذلك بين عربى وأعجمى، أو مسلم وغير مسلم، إلا أن الولايات المتحدة تحديداً ليست فى حاجة إلى مساعدات العرب أو غيرهم، ومن جهة أخرى فإن القاعدة الشرعية هى أن الجار أولى بالشُّفعة، ناهيك عن أن السلاح الأمريكى هو سبب معظم ما تعانيه المنطقة من ويلات، كما أن السياسة الأمريكية هى سبب معظم ما يعانيه العالم من شقاء، ولو أنه تم إغلاق مصانع السلاح هناك بموازاة تغيير تلك السياسة لتغير حال العالم من النقيض إلى النقيض، وسوف نتذكر هنا موقف عمدة نيويورك، رودولف چوليانى، خلال تفجيرات برجى مركز التجارة العالمى عام ٢٠٠١، حينما رفض المساعدات والتبرعات العربية فى إطار عنصرى واضح.

على أى حال، الرسائل فى الحالتين واضحة، أهمها أن العالم أصبح أقل من قرية صغيرة، بما يوجب الاتحاد فى الرخاء كما فى الشدة، لم يعد ممكناً الانعزال أو العزل، كما لم يعد ممكناً الاستقواء بالسلاح أو المال فى مواجهة أقل القليل، هى مجرد رياح، أقل ما توصف به أنها (رِيِح صَرْصَر عَاتِيَة) كما وصفها الله سبحانه وتعالى، جعلت البشر (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ)، التكامل بين الشعوب أصبح أمراً حتمياً دون مناورات أو مغامرات أو مخططات، بزعم قيادة العالم وفرض الهيمنة والسيطرة.. ربما هى رسائل إلهية إلى البشرية جمعاء، من سوريا حتى الولايات المتحدة، ومن إسرائيل حتى بورما: الحياة حق للجميع، لا فرق بين هذا وذاك إلا بالتقوى والعمل الصالح، الذى هو فى ترجمته على أرض الواقع، إفشاء العدل وإعمار الكون، بدلاً من إحلال الظلم ونشر الدمار.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق