اخبار اليوم التجربة الاسكندنافية.. إحنا فين والسعادة فين؟

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

في غضون رحلتي لاستكشاف الدول الاسكندنافية، مستغلة وجودي في الدنمارك لحضور إحدى ورش العمل الصحافية، حاولت مليا فهم سبب الاحتكارالإسكندنافي لقائمة الدول الأكثر سعادة في ، حسب التقارير العالمية.

هذه البلدان يتمتع أهلها بقدر كبير من الحرية والرخاء والأمان كما توفر لهم حكوماتهم خدمات صحية وتعليمية متميزة، ناهيك عن وسائل المواصلات والبنية التحتية والمرتبات المرتفعة التي تضمن رفاهية المواطن وتجعله الأكثر رضاءً عن جودة معيشته عالميا. فترى الابتسامة مرسومة على شفاه الجميع في الشوارع والمواصلات والحدائق العامة، في مشهد قد يبدو غريبا بعض الشئ لمن أتى لزيارتها من المنطقة التي نعيش فيها من العالم.

في إحدى شوارع العاصمة الدنماركية كوبنهاجن، التي تبوأت مركز الصدارة لقائمة الدول الأسعد عالميا لسنوات، لفت نظري رجلا ميزه عبوس وجهه عن من حوله، وقد أفصحت لي عيناه الداكنتان وملامحه الشرقية عن هويته دون التحدث إليه. أثار هذا الرجل ما أثاره في نفسي من شجن وفضول لمعرفة أحوال العرب في هذه الدول الأكثر سعادة في العالم، خاصة من جاءوا من أماكن أرهقتها الحروب ومزقتها الصراعات لسنوات طويلة. فهل من الممكن أن يتبدل بهم الحال وتذهب آلامهم الماضية طي النسيان لوجودهم في هذا المكان «السعيد» أم أن الشقاء اتخذ على نفسه عهدا بعدم مهاجرتهم أينما وجدوا حتى لو كان وجوده أصلا غير مرحب به؟.

قابلت عددا من أبناء الجاليات العربية في النرويج والدنمارك والسويد لمعرفة الأجابة، فاتضح لي ما كنت أخشاه؛ وهو أن مغادرة أماكن الصراعات لا يعني بالضرورة النجاة كليا من ويلاتها، وأن هناك نوع أخر ملعون من الصراعات غير المرئية يمكنها مصاحبة المرء أينما وجد. اختلفت الظروف والأسماء وأماكن المنشأ لكن تمحورت جميع المنغصات التي تواجه أشقائنا العرب في البلدان السعيدة حول ثلاثة مسببات رئيسية، تلخصها قصص سعيد ورضا وشوقي.

*ملحوظة: هذه ليست الأسماء الحقيقية للرجال الثلاثة حيث تم إخفاء أسمائهم الحقيقية بناء على رغبتهم.

سعيد وحلم لمّ الشمل

التقيت بالحاج سعيد في أيامه الأولى بعد وصوله إلى العاصمة النرويجية أوسلو، وقد بدى قلقا وحائرا، فبدأ الحديث بقوله إنه يتمنى أن يتوفاه الله في وسط أسرته.
أتى الحاج سعيد السوري إلى النرويج ضمن برنامج لمّ الشمل الذي مكنه من الهجرة إلى البلد الأوروبي نظرا لكون ابنه مواطن فيها.

استقدمه ولده الذي جاء بشكل غير شرعي، بعد نجاحه في الحصول على رخصة توطين في الدولة الأسعد عالميا،وفقا للتقرير العالمي للسعادة لهذا العام.

كان الرجل يتوقف عن الكلام بين الحين والأخر لينظر إلى المارة وكأنه يريد التنصت على أحاديثهم، ثم قال إن عليه تعلم اللغة النرويجية كشرط أساسي للحصول على الإقامة الدائمة وأن السلطات المحلية ستقوم بإبلاغه بمواعيد دروس تعلم اللغة قريبا، ثم أدار رأسه في عدم اكتراث وحيرة.

واصل الحاج سعيد كلامة بعد فترة سكون وقال إنه لا يتطلع أن يكون مواطنا نرويجيا ولا يرى جدوى في تعلم اللغة في هذا السن. وأضاف الرجل الذي تعدى عمره الستين عاما، أنه لا يتمنى حاليا إلا أن يجمعه الله بابنته الصغيرة ذات الـ 19 عاما. فهو استطاع تهريبها من سوريا إلى تركيا لكنه لم ينجح في استقدامها إلى النرويج، حيث أن برنامج لمّ الشمل لا يشمل أفراد الأسرة من تجاوزت أعمارهم 18عاما فتبدد حلم جمع شمل الأسرة السورية في مكان آمن.

«أريد الأطمئنان على ابنتي. أريد أن أراها آمنة وسالمة وسط إخوتها هنا قبل مغادرتي هذا الكون».

رضا وأزمة الهوية

قابلت رضا في العاصمة الدنماركية. فهو شاب في الثلاثينات من عمره، يتحدث اللغة الدنماركية بمهارة ويمتلك مطعمًا للمأكولات العراقية في مكان متميز بكوبنهاجن.
جاء الشاب العراقي إلى الدنمارك هربا من بطش صدام حسين، على حد قوله، حيث قتل والده واعتقل أخاه الأكبر فما كان لأسرته إلا أن تشجعه على الفرار من المصير المرتقب.

يقول رضا إنه جاء إلى الدنمارك في سن مبكرة جدا لكنه إلى الآن يصعب عليه التأقلم والاندماج الكامل مع العادات والتقاليد الأوروبية. تزوج من فتاة دنماركية لكنهما أدركا سريعا أن اختلاف ثقافتهما سينتج عنه حتما جيل مشوه من الأبناء فابتعد عنها وابتعدت عنه. قرر بعد ذلك الزواج من عربية فاكتشف انه «غير شرقي» بما يكفي ليناسب توقعاتها وأحلامها فآثر عدم الزواج مطلقا.

يشعر رضا دائما بفقدانه لهوية ينتمي إليها ويحتمي تحت مظلتها «أنا دنماركي الجنسية من خلفية عراقية عربية. اخترت من الفريقين ما يروقني وصنعت منهجا خاصا بي لاتبعه في حياتي وأنا مقتنع تماما به. كلا الفريقين يراني أجنبي عنه وأنا كذلك لا أرى أي منهما يمثلني كليا فقررت الانطواء على ذاتي والتفاني في عملي».
شوقي وانفراط عقد الأسرة الشرقية.

أما شوقي فقد جاء إلى السويد مع زوجته منذ أكثر من 20 عاما. فهو حاليا مواطن سويدي يتمتع بكافة الحقوق والامتيازات ولديه عمله الخاص، لكنه لا يزال يحلم أن يعود إلى بلده فلسطين.

يقول شوقي إنه يشعر بخيبة أمل لعدم قدرته على إقناع أبنائه باعتناق ديانة الإسلام أو تعلم اللغة العربية. فهو يرى أن الحرية التي تتمتع بها هذه البلاد لا تتوافق مع المبادئ العربية الشرقية التي تمنى بناء أسرته على أساسها.

«مفهومنا الإسلامي أو العربي عن الحياة الأسرية يصعب تحقيقه بعيداعن أوطاننا. فنحن مختلفون جملة وتفصيلا».

من الإنصاف عدم التعميم بالقولإن المشهد كله بهذه الضراوة، فهناك من هاجر إلى هذه البلدان واستطاع التأقلم مع النمط الأوروبي وتمتع بحياة سعيدة وهنية. فهذا المقال هو مجرد محاولة لعرض بعض الأسباب التي قد تؤدي إلى عبوس بعض وجوهنا العربية في هذه الدول التي تبدو لأي منا كاليوتوبيا (المدينة الفاضلة) بعيدة المنال، وأيضا حتى لا تتسرع أنت إذا رأيتهم في حالة شرود في هذه البلاد السعيدة وتصدر حكمًا عشوائيًا عليهم، كما فعلت أنا في بادئ الأمر، وتقول إننا «مش وش سعادة».

*سارة مجدي هي صحافية مصرية حاصلة على ماجيستير في صحافة الوسائط المتعددة من جامعة كينت البريطانية.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق