اخبار اليوم أوراق العمر

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

دق جرس الهاتف.. كان صوت صديقتى يئن من الألم.. سألتها على الفور: «ما بالك؟» أجابت: «استيقظت فجأة لأكتشف كيف مرت السنوات بهذه السرعة.. كيف جرى العمر بى، والآن لا يبقى إلا أن أجلس فى منزلى بلا هدف.. بلا عمل.. بلا حياة سوى هذه النظرة التى تنتظر المجهول.. أشعر بالفزع الرهيب.. هذا الفزع الذى لا يغادر مساحة عقلى مثلما لا يغادر مساحة غرفتى التى نادراً ما أصبحت أغادرها».

كان ردها صاعقاً، وهى التى كانت تنبض بالحياة.. تنبض بالبهجة والتفاؤل.. انتابنى الفزع مثلما انتابها، فها هى الأيام سوف تجرى ويبقى هذا الجهاز الصامد أمامنا يمتص ما تبقى من وقت، ويلهينا عن هذا المجهول المنتظر.. أهكذا سوف يكون الحال؟.. ثم فجأة تذكرت هذه المقولة: «لن أتوقف طالما قلبى ينبض بالحياة».. هذه العبارة التى قالها الكاتب جابريل جارسيا ماركيز الذى ظل قلمه ينبض حتى أيامه الأخيرة.

وأنا هنا.. وأنا أجلس فى مكانى لا ألوم صديقتى، فأنا أعترف أنها لابد تمر بفترة صعبة ينتاب بينهما هذا الحنين إلى الماضى وهذا الإحساس بالشجن حين تكتشف أن لقب شاب قد سُحب منها، وأنها فى انتظار ألقاب أخرى ربما لا تحب أن تسمعها.. ولماذا تسمعها وهى مازالت مليئة بالعطاء.. متدفقة بالحواس والعقل الصاحى.. لماذا يُحكم عليها بهذا الإعدام الظالم وهى مازالت حية تنبض؟! إنها مشكلة سوف يعانى منها المسنون فى كله، وبصفة خاصة فى هذه الدول النامية، إن لم يتم وضع برامج وخطط للاستفادة من هذه الطاقات والخبرات، وبالطبع إن لم يتم توفير حياة كريمة لهم تحترم وضعهم وكرامتهم فى نفس الوقت، ولحين يحدث هذا الاندماج المعنوى والثقافى بين الأجيال التى عليها أيضاً التفهم والتقبل أن هناك أفرادا مازالوا موجودين.. مازالوا يتدفقون بالحياة، وأن عليهم التعايش معهم وعدم نبذهم عن إيقاع الحياة ومجرياتها، وهى أمور ينبغى أن تغرسها الدولة فى نفوس الشباب، فلا مفر من هذه التغيرات إلا الموت أو إصدار الحكم بالإعدام على أحياء، وبصفة خاصة عندما نعلم أن متوسط عمر الإنسان قد يصل إلى ١٥٠ عاماً خلال النصف الثانى من القرن الحالى، وإذا ساورنا الشك فى هذه المعلومات فعلينا أن نعود إلى الوراء.. إلى نهاية القرن السابع عشر، لنعرف أن كل مائة طفل مولود لم يكن يعيش سوى ٥١ فقط حتى سن العاشرة و٤٣ حتى سن الثلاثين.. ولا يبلغ الـ٥٠ سوى ٢٨ شخصاً فقط.

إنها حقائق ربما تكون مؤلمة للبعض وغير مريحة للبعض الآخر، ولكنها فى النهاية واقع إنسانى لابد من التعامل معه.. وأتذكر فى ذلك هذا الرجل العجوز الذى وضعه أبناؤه فى بيت للمسنين، اعتقاداً أنه المأوى الوحيد الذى سوف يحتويه حتى نهاية عمره.. ويبدو أن العجوز استسلم لقدره، ولكنه فاجأ الجميع بقصيدة كتبها ووجدتها إحدى الممرضات التى كانت ترعاه عَلى فراش موته، وقد كنت ذكرتها من قبل فى إحدى مقالاتى، ولكنى أرغب فى التذكرة ببعض المقتطفات منها، لأنها تحمل معانى عميقة وأحاسيس دفينة تدور فى نفس كثير من المسنين، ولكننا للأسف لا نشعر بها... يقول الرجل:

«رجل عجوز.. قلق وفى حيرة من سلوكه وعاداته.. أترككم تفعلون ما تريدون من تحميمى أو إطعامى.. ولم لا اليوم طويل لملء الفراغ.. أليس هذا هو ما تفكرون فيه.. أليس هذا ما ترون؟

إذن انتبهوا.. افتحوا أعينكم أيها الممرضات.. أنتم لا تنظرون لى.. انتبهوا.. سأقول لكم من أكون وأنا أجلس هنا بينكم أفعل ما تأمرون، وآكل ما ترغبون إطعامى به.. انتبهوا.

أنا طفل عمرى عشر سنوات، لى أب وأم وأخوات يحبون بعضهم.. أنا صبى عمرى ١٦عاماً بأجنحة ترقد على قدميه ليحلم بفتاة يقابلها ويقع فى غرامها.. عريس الآن فى العشرينيات وقلبى يخفق للزواج.. فى الخامسة والعشرين عندى طفل يحتاج إرشادى ورعايتى.. رجل الآن فى الثلاثين.. كبر ابنى وارتبط بى رباط العمر.. فى الأربعين أولادى كبروا ورحلوا، لكن امرأتى بجانبى ترعانى حتى لا أحزن على فراقهم.. فى الخمسينيات مرة أخرى أطفال يلعبون حولى.. ومرة أخرى يخفق قلبى أمام براءة الطفولة.. الآن الأيام سوداء لأن زوجتى رحلت عنى وتركتنى أنظر إلى المستقبل، وأرتجف من الخوف وأفكر فى السنوات والحب الذى عرفته.. الآن أنا رجل عجوز.. أبدو كالحجر، بينما لى قلب ينبض ويخفق مثلما كان فى يوم من الأيام.. وبالرغم من كل ذلك.. بالرغم من شكل هذا الصندوق الكهل العتيق الذى ترونه أمامكم.. هناك رجل شاب بقلب كبير يمتلئ بالحيوية.. عاشق ومحب للحياة.. أفكر فى السنوات التى مرت بسرعة فائقة، ولكنى أتقبل الحقيقة أنه لا شىء يدوم.. فانتبهوا.. افتحوا أعينكم أيها الناس.. أنا لست رجلاً عجوزاً متصدعا!!!».

كلمات حزينة تركها الرجل على فراش الموت، استسلم فيها لرغبات الأبناء والمجتمع حوله الذين حكموا عليه مبكراً وهو حى ينبض بالإعدام!! ولعلها تكون حكمة وتذكرة أن الإنسان يصبح عجوزاً عندما يقرر ذلك أو عندما يستسلم لرؤى ورغبات الآخرين.. فيا صديقتى، استعدى لحياة جديدة من سنوات قادمة، احييها كما ترغبين.. كما تحبين.. كما تشائين.. وليس كما يريدها البعض لك.

selnakkady@gmail.com

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق