اخر الاخبار أن تشكّل أحرف الرّقة

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

لك أن تضع التشكيل الذي تختاره على أحرف اسمها. لك أن تضع كسرةً تحت حرف الراء فتصبح (الرِّقة)، وتتذكر انطباع زيارتك الأولى لها، مدينة صغيرة هادئة، بسيطة وسهلة، لا شيء فيها يوحي بقساوة البادية غير لهجة سكانها وبعض التجهم على وجوههم، قبل أن تنفتح قلوبهم لك، فتظهر تلك الرّقة الأليفة فيهم، فتحبّهم من دون أن تبحث عن سبب. ولك أن تضع فتحةً على حرف الراء (الرَقة) فتتذكّر أنك، في زياراتك لها، كنت تشعر أنك تقف على أرض صلبة، منبسطة، بحيث لا تعيق حركتك، ومكشوفة، بحيث لا تتوه أينما تحركت فيها، وممتدّة بحيث لا ترى آخر جهاتها. ولك أن تضع كسرةً على الرّاء وتحذف التاء المربوطة في آخرها لتصبح (الرِّق)، والرّق آلة موسيقية قديمة، كانت تستخدم زمن الخليفة هارون الرشيد الذي جعل من هذه المدينة عاصمة، كان يقصدها للإقامة، فتحولت إلى مركز اقتصادي وثقافي مهم، زمن خلافة الرشيد. 


ولك أن تحذف ال تعريفها وتحذف تاءها المربوطة، وتضع الضمّة على رائها فتصبح (رُقّ)، فيعود إليك فراتها، وهو ينسابُ رقراقاً مفاخراً بصفائه وعذوبته، كسليلٍ نبيلٍ من سلالات الأنهار العظيمة التي تعكس أعماقها، على حيث تمرّ من الأمكنة، فلا تستقر تلك الأمكنة على حال، وهو حال مدينة الرّقة التي كانت إمارة آرامية في القرون، الحادي عشر والعاشر والتاسع قبل الميلاد، ثم تدمرت ليعاد بناؤها في العهد الإغريقي على يد الإسكندر الكبير قبل الميلاد، بما يزيد عن المئتين وأربعين عاماً، وكان اسمها كالينيكوس، أي المدينة الجديدة، ويعتقد أيضاً أن الإسم ينسب إلى الفيلسوف اليوناني صاحب الإسم نفسه، والذي يقال إنه مات ودفن فيها، ثم تحولت المدينة، في عهد البيزنطيين، إلى مركز عسكري لبيزنطة، حتى فتحها المسلمون عام 639، وحولوا اسمها إلى الرّقة، لتصبح لاحقاً عاصمة للخليفة العباسي، هارون الرشيد، بعد أن ألحق بها الخليفة المنصور مدينة الرافقة التي كانت عاصمةً صيفية له. وفي عام 1258 دمرها المغول مثلما دمروا غيرها من مدن الفرات، لكنها عادت لتبنى من جديد، وتتدمر وتبنى.
وفي كل مرة عبر تاريخها الطويل، كان الزمن يترك فيها شواهد عليه، فالمدينة ما زالت تحتفظ بآثار ما قبل التاريخ، وما بعده، بقايا قلاع وأسوار وأبواب، عدا عن الأواني الخزفية التي اشتهرت بها الرّقة في الزمن الإسلامي، لتكتمل حيويتها ببناء سدّ الفرات على بحيرة ضخمة، جعلت من الأراضي المحيطة بالرّقة إحدى أكثر الأراضي السورية خصوبةً وحياة، عدا عن قدرة السد على توليد الكهرباء. كل ما سبق جعل من الرّقة مدينةً منفتحة اجتماعياً، ما حوّلها إلى مقصد لسوريين كثيرين باحثين عن فرص عمل في المشاريع التي ولدها سد الفرات.
استقبلت الرّقة الجميع، وهضمتهم فيها، وعاشوا كما لو أنهم من أصل الرّقة، ثمّة مدنٌ تملك هذه الخاصية، أن تأخذ الجميع في حضنها، من أين ما أتوا، غالباً تلك هي ميزة مدن الماء، النهرية والبحرية. هل يعني هذا أن الرّقة شكلت حاضنةً لتنظيم داعش، بعد أن تحرّرت من نظام الأسد واستلمها. لعل العدد الأكبر من المعتقلين والمختفين والهاربين من التنظيم في الرّقة يدل على أن المدينة لم تستطع احتضان تطرّف من هذا النوع، فالمدن المائية، على الرغم من تسامحها، هي مدن معتدلة المزاج وسطية، تقبل الجميع، لكنها ترفض أن تطبع بطابع واحد. من زار الرّقة سابقاً يدرك جيداً ما أقول، من عاشر بعض أهلها سيعرف أيضاً ما أقول. ولكن، هل هذا ينفع مع صناع الموت والحروب ومافيات السياسة والسلاح في ؟ هؤلاء الذين يصنعون تنظيمات الموت، ويدعمون أنظمة الإجرام، ثم يروجون كذبة محاربة الإرهاب، فيقتلون المدنيين ويدمرون المدن، يضعون الحدود الجديدة التي تضمن مصالحهم. هؤلاء هل سينتبهون إلى ما عاناه الرقيّون خلال السنوات الماضية؟ هل سيهتمون بقهر من رفض مغادرتها، وبقهر من غادرها، ولم يستطع أن يتابع حياته الطبيعية؟ الرّقة اليوم مهدّدة من الجميع، سدّها مهدد بالتفجير، قراها مهدّدة بالغرق، انتماؤها مهدّد بالتغيير، مدنيوها مهدّدون بالموت. الرّقة تُذبح فعلاً بصمت منذ سنوات. واليوم، لا طائل من كل الصراخ للانتباه إليها، إذ لا صوت يعلو فوق صوت الموت.

المصدر : العربى الجديد

أخبار ذات صلة

0 تعليق