اخر الاخبار عنصرية جدار الفصل

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

طلب مني رئيس تحرير إحدى الصحف كتابة مقال تنديداً ببناء جدار الفصل العنصري، وفي الحقيقة إنّ الكتاب قد صالوا وجالوا بالمقالات، فلم يعد هناك مكان لموطئ قدم من شدّة الزحام، لذا قررّت كتابة شيء مختلف.
في الخامس عشر من سبتمبر/ أيلول 1935، صدرت قرارات نورنبيرغرغ النازية التي على إثرها فقدت عائلتي حق المواطنة، كانت أمي ما تزال حاملاً بي في شهرها الأول، وكأنّ لعنة من الرب يهوه حلّت على معشر اليهود. ليت الأمور توقفت عند هذا الحد، إذ بدأت بعدها المحرقة ضد اليهود، وحده يهوه يعلم كم شقيت أمي فيها لإطعامي، تحملت كلّ مكروه في سبيلي، وكانت تخفي عنّي شقاءها بابتسامةٍ على محيّاها، فهي لم تكن تعتبرني شؤماً، بل جاهدت لإزهار الورد فيّا.
أتذكر حينها علامات الهلع التي انتابت أمي، اختفت ابتسامتها التي طالما أشعرتني بالأمان، إذ لم تكن أمي فزعة من أجلها، بل من أجل فلذة كبدها.
اقتحم الجنود المنزل، واقتيدت أمي وأنا معها، كأنّنا قطيع أغنام يساق إلى مذبحةٍ بيد أنّ ما أمامنا محرقة، أين الرب من كلّ هذا؟
لم يكن هناك جدوى من طرح هذا السؤال، فالأفضل إيجاد حل للهرب. هكذا كان تفكير معظمنا، حتى أنا الطفل الصغير كنت أفكر بالهرب، لكن: هل للطفل ملجأ ومكان غير حجر أمه؟ هكذا كنت أظن، وها هي أمي بجانبي تنهمر دموعها، غارقة في تفكير عميق، أجزم، وبكلّ ثقة أنّها تحاول تخليصي من شرك النازية، إنّها تنتظر اصطياد الفرصة.
أعطيت الإشارة ببدء المهمة، لم يسلم طفل رضيعٌ ولا شيخ كبير لا حامل ولا مرضع، الكل سواسية، كنت خائفاً من هول مشاهد الحرق، ممزوجة بصرخات العذاب، سمفونية لا تود سماعها حتى بالأحلام.
كان ما يخفّف حدّتها عليّ أني ما زلت بجانب أمي، قالت لي بصوت أجشّ: لا يتوّجب عليك النظر يا بني، إنّها ليست مشاهد لذوي سنّك، لكن قساة القلوب أشركوك فيها غصباً. قالت وهي تحدثني عن أبي.
لم أكن أعي حينها معظم حديث والدتي، فهي لأول مرّة تحدّثني عن أبي؟ كدت أنسى أن لي أب، فلم أعي بالدنيا غير وجود أمي، من كانت تجوع لتطعمني، تسهر حتى تتأكد من نومي، علّمتني القراءة والكتاب التحدّث والحساب.
نظرت أمي لي ابتسامة موّدع، كأنها تقول: عش من أجل أمك، المستقبل أمامك، يا ولدي، ثم أبعدتني عنها لأتسلّل إلى أحد الصفوف المتأخرة، وهي تمشي بثبات نحو المحرقة وتصنع بجسدها نقطة عمياء ليتسنّى لي التأخر.
ألقيت أمي في النار، وأنا أشاهدها عاجزاً، مكتوف اليدين تموت أمام عيني، صدمت من المشهد: لكن كلمات أمي الرنانة أعادتني لوعيي، ربّما بسببها لم أصر مجنوناً.
أمي، هل حقاً سأنجو؟ ها أنذا أسير على النهج نفسه نحو محرقتي؟ ربما لن أستطيع تنفيذ وصيتك، يا أمي، سامحيني وليسامحني الرب.
حين تقدّم الجندي، ليلقي بي في النار، أوقفه صراخ أحدهم: إنّه ليس يهودياً إنّه مسلم! لم أنبس ببنت شفة، ربّما هذا الملاك الذي سيستجيب لدعوة أمي، قدّم للجند أوراقاً ثبوتية لأحد المسلمين على أنّها لي، ومن حسن حظي أنّ والدي مات قبلي، ولم أكن مسجلاً في سجلات النازيين عن اليهود فلم أحمل بطاقة العنصرية التي أجبرت أمي على حملها .
ها آنذا عشت يا أمي يهودياً، هل تسمعيني؟
إن كان من غير المبرّر حرقي فقط لأني يهودي، فهل من المبرّر قتل امرئ فقط لأنه فلسطيني؟ إن كان المسلمون قد أنقذونا واستضافونا في مساجدهم وقدّموا لنا هويات إسلامية هل يحق لنا التنكيل بهم؟ إن كانت فلسطين قد استضافتنا أثناء الهجرة اليهودية الألمانية، فهل يحق لنا اغتصاب أرضهم وقتلهم؟ إن كان من غير المبرّر تمييز الآري عن السامي، هل من العدل بناء جدار فصل عنصري؟
أنا يهودي ضد ما تفعله الصهيونية، أنا يهودي أساند القضية الفلسطينية، أنا يهودي، فمن تكونون؟

المصدر : العربى الجديد

أخبار ذات صلة

0 تعليق