اخر الاخبار بائع السمك

0 تعليق 4 ارسل لصديق نسخة للطباعة

فجّر مقتل بائع سمك في شمال المغرب، موجة احتجاجات عارمة على سلوك قوات الأمن تجاه المواطنين، وخرج عشرات آلاف المغاربة في عشر جهات من أصل اثنتي عشرة في المملكة يحتجون على القتل (غير الرحيم) الذي أنهى حياة هذا الشاب الأمازيغي، واسمه محسن فكري، في شاحنة للزبالة في مدينة الحسيمة، عندما احتج على مصادرة رجال الأمن أسماكه، بحجة أن صيدها في هذا الموسم المخصص للراحة البيولوجية ممنوع، فما كان من "بوعزيزي المغرب" إلا أن ألقى بنفسه في شاحنة الزبالة، فلفظ أنفاسه بين فكيها، معلنا عن نفاد صبره تجاه وضع اجتماعي مأساوي، لا يساوي حياة صاحبه.
تظاهر الكبار والصغار في أكثر من 13 مدينة في وقت واحد (السادسة من مساء الأحد الماضي)، وخرجوا جميعاً لدواع إنسانية وحقوقية ثم سياسية، خرجوا للتنفيس عن الغضب والحزن الذي أحسّوا به عقب الوفاة الدرامية لبائع السمك. ما هي رسائل هذه التظاهرات الاحتجاجية التي عمّت المدن الكبرى للمملكة، وجعلت من جنازة محسن فكري جنازة أمةٍ ذكّرت الناس باحتجاجات "20 فبراير" قبل خمس سنوات؟
الرسالة الأولى: لم تعد السلطة قادرةً على منع المغاربة من الخروج إلى الشارع والتظاهر في الفضاء العام، وحمل الشعارات والمطالب التي يرونها مشروعة. خرج هذا (الاختصاص) من يد الفاعلين التقليديين، وأصبح المجتمع يعبر بحريةٍ وتلقائيةٍ عن مطالبه ومشاعره وغضبه متى أراد. كان كافياً أن تصدر دعوة إلى التظاهر في العالم الافتراضي (فيسبوك) على مقتل الشاب فكري، لتخرج الآلاف في حشود من كل الأطياف إلى العالم الواقعي، بعد 24 ساعة من الدعوة. معنى هذا أن الحدود بين الواقعي والافتراضي لم تعد موجودة، وهذا مؤداه أن جهاز الدولة وإعلامها وسلطتها ومؤسساتها الاجتماعية والدينية والثقافية كلها أصبحت فاعلاً ثانوياً في حركة المجتمع، وأن وسائل الاتصال الحديثة أصبحت هي القناة الأولى للتواصل والتعبئة والتنظيم، من خلال سرعة المعلومة وكثافة انتشارها، ومن خلال الربط والتشبيك العالي بين الأفراد في مجتمع رقمي بلا قيود ولا حدود، هذه العملية التواصلية من الشاسعة والتعدّدية، بحيث يستحيل على أي أحد أو جهة أو جماعة أو حزب أن يوجهها أو يتحكّم فيها.
الرسالة الثانية: جل الشعارات التي رُفعت في التظاهرات التي شارك فيها ما يقرب من 200 ألف مواطن مغربي كانت موجهة ضد (المخزن) و(الدولة) وجهاز الأمن، ما يعني أن من خرج يحتج يحمّل مسؤولية ما جرى، وحتى قبل نهاية التحقيق القضائي، إلى جهاز الدولة، أو ما يصطلح عليه في المغرب المخزن (الدولة العميقة) الذي يحتفظ بصورة سلبيةٍ جداً في مخيلة الناس وثقافتهم السياسية.
عبّر المتظاهرون، بشكل جلي، عن ضرورة فتح ملف علاقة جهاز الأمن مع المجتمع، وطرق الإشراف المؤسساتي على عمل أجهزة الظل ومجال تدخلها والإطار التشريعي الذي يحكمها، مساحة تحركها ومدى انسجامها مع قيم الحرية واحترام حقوق الإنسان والتقيد بدولة الحق والقانون، بدون فتح علبة الأجهزة الأمنية على إصلاحاتٍ عميقةٍ، فإن فرضية الانتقال الديمقراطي تبقى مجرد قفزةٍ في الهواء، بلا سند ولا ضمانات لعدم الرجوع إلى الوراء.
الرسالة الثالثة: دلت التظاهرات التي خرجت في 13 مدينة أن في المغرب اندماجاً ووحدة اجتماعية كبيرة بين العرب والأمازيغ، وحدة قل نظيرها في العالم الثالث الذي يعجّ بالفتن العرقية والطائفية والجهوية. في الريف، كان الأمازيغ يرفعون شعارات الاحتجاج باللغة العربية. وفي الدار البيضاء والرباط وطنجة وفاس، كان العرب يرفعون شعارات باللغة الأمازيغية، ويحملون أعلاما مكتوبة بحرف تيفيناغ (الحرف الرسمي لكتابة الأمازيغية). إنها واحدة من المناسبات، على ما فيها من دراما إنسانية، حيث يشعر المواطن بهويته المغربية تخترق اللسان والعرق والجهة والقبيلة والانتماءات الصغيرة. لم يكن المغرب طوال قرون بمثل هذا المستوى العالي من الاندماج بين ساكنته، على الرغم من كل الموروثات الاستعمارية التي تغري بعضهم باللعب على الوتر العرقي. ولهذا، لابد من مراجعة المقولة التي تدّعي أن الدولة في المغرب يجب أن تبقى مركزية، حتى تحافظ على الوحدة بين الأعراق، وأن النظام يجب أن يبقى سلطويا حتى يمنع الفرقة بين العرب والأمازيغ. هذا من بقايا عصر زال أو يكاد.

المصدر : العربى الجديد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق