اخر الاخبار الساعة بخمسة جنيه

0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة

عرفته سريعا، فهو زميل ابني في المدرسة، لكنه لم ينجح في الثانوية العامة، وكان في المخبز يرصّ الأرغفة الساخنة في الأكياس للزبائن. رحب بي، وكذلك فعلت، وسألته أين وصل به الحال، فأخبرني بسرعة وبكل صراحة ،أنه يعمل ليل نهار منذ ثلاث سنوات، ويجمع المال لكي يسافر، وقد اعتقدت، قبل أن يُتمّ عبارته، أنه يجمع المال ليتزوج، وللمرة الألف، اكتشفت أن الزواج لم يعد هدفاً أساسياً للشباب هذه الأيام، فهو كما أخبرني، وهو يُحكم إغلاق كيس الخبز ، ويناولني إياه بتهذيب، ويحمّلني السلام لابني أنه يريد أن "ينفذ بجلده من غزة".
هذه النغمة التي باتت تسمعها الأمهات العربيات من أبنائهن الذين يسيرون على خطا رفاقهم، ليس في غزة فقط، ولكن في بلاد عربية أخرى، ومنها مصر، أصبحت عادية وكثيرة هذه الأيام، فهجرة الشباب العربي من أوطانهم تعدّدت وتغيرت أسبابها، لكن المؤلم أن 90% من أعداد الشباب المهاجرين تفعل ذلك بطريقة غير شرعية، وتتعرّض للموت، ولمواجهة القوانين الصارمة التي تضعها الدول التي تتجه إليها بوصلة الحلم العربي، فالشباب العربي يهاجر إلى الغرب بحثاً عن حرية التعبير، وهرباً من سياسة تكميم الأفواه التي تمارسها حكوماتهم، علاوة على هجرة الأدمغة، كما يطلق عليها، وهي هجرة فئة كبيرة من حملة الشهادات العليا الذين لم يجدوا كرامةً ولا احتفاءً في أوطانهم، وحصلوا على التكريم في بلاد الغرب.
وإن كانت غالبية عاقدي العزم على الهجرة، ومن هاجروا فعلاً، أو فشلوا ودفعوا حياتهم ثمناً لمحاولة هروبهم، هم من البسطاء الباحثين عن لقمة عيش، مثل ضحايا سفينة "10سبتمبر" التي خرجت من غزة بعد العدوان عليها في صيف 2014، وضحايا مركب رشيد، والذي غرق بركابه الفارين من مصر بحثاً عن الرزق والكرامة وحرية التعبير، وخرجوا من غزة هرباً من الفقر الذي خلفته الحرب. وتساءل بعضهم: من أين جمع هؤلاء المبالغ الكبيرة التي دفعوها لسماسرة الموت؟ الجواب أن معظمهم عمل سنوات في مهنٍ حقيرة امتهنت آدميته، واستدان واقترض وباع أثاث بيته، ومصاغ زوجته أو أمه وشقيقاته، لأن وعود السماسرة لعبت بخيالهم، مثلما فعل السمسمار متولي في فيلم "عنتر شايل سيفه"، حين وعد عنتر الساذج أن ساعة العمل لأمثاله في إيطاليا بخمسة جنيه "والحسابة بتحسب"، لكن من ركبوا البحر كانوا يعرفون أن البحر بجبروته أمامهم، وأن الأمل ضعيفٌ في وصولهم إلى الشاطئ الآخر، لكنهم أبحروا مجازفةً، ومن نجا منهم من الغرق اعترف بأنه سوف يعاود الكرة ثانية.
وما زالت أصواتٌ تتعالى، مطالبة بضرورة إيقاف مراكب الموت وسماسرة الدم في غزة ومصر وسورية وغيرها من البلاد العربية. وليس الأمر سهلاً ولا حاضراً، فيجب أن تصبح بلادنا أولاً بلاداً جاذبة لا طاردة، فالتاريخ المشرّف لأم الدنيا مصر بحاجة لإعادة ترتيب، وليس بكاء على الأطلال، ففي العام 1946 مثلاً تم القبض على مركبٍ يحمل مواطنين أوروبيين متسللين إلى الإسكندرية، بحثاً عن فرصة عمل وحياة أفضل من أوروبا. واليوم يحاول ولاة أمر العرب أن يحببوا الفقر للناس وسيلةً لإسكاتهم، مثل حديث عبد الفتاح السيسي، أخيراً، عن ثلاجته التي أقسم قسماً مغلظاً أنها لا تحوي سوى الماء منذ عشر سنوات، على الرغم من أن كثيرين من أبناء شعبه لا يملكون ثلاجةً من الأساس، أما ما حدث في المغرب، قبل أيامٍ، من طحنٍ لمواطن مغربي مطحون، ألقى بنفسه في حاوية النفايات، ليسترد السمك الذي يبيعه، فهذا نموذج لحكوماتٍ فاشلة، تحارب الفقراء في رزقهم، وتغض النظر عن الأغنياء واللصوص، ليزدادوا ثراءً على حساب الأغلبية المسحوقة. ولذلك، على مثل هذه الحكومات ألا تتساءل بعد سنوات "الشباب فين؟"، حين تصبح بلادها أوطاناً للعجزة، على غرار أوروبا العجوز، ما لم يتم إنقاذ الشباب العربي بالاستفادة من طاقاتهم، وفتح مجالات العمل أمامهم، ومنحهم الحرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لبذل عرقهم من أجل أوطانهم، لا أوطان غيرهم.

المصدر : العربى الجديد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق