اخر الاخبار بنكيران أمام عقبات ومهمات

0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة
منذ عين العاهل المغربي، الملك محمد السادس، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الاله بنكيران، بعد تصدر حزبه الانتخابات رئيسا للحكومة لولاية ثانية، ومسلسل مشاوراته مستمر مع الأحزاب السياسية المرتقب أن تشاركه الائتلاف الحكومي الذي سيقود به سفينة تسيير المغرب في السنوات الخمس المقبلة.
منحت نتائج الانتخابات الرجل موقعاً تفاوضياً أحسن بكثير مما كان عليه في نتائج انتخابات 2011؛ حين كان بلا خبرة، وهامش مناورة بأفق ضيق ومحدود. عكس واقع الحال اليوم، ففي جعبته رصيد خمس سنوات من الدُربة، وأوراق لعب كثيرة بعضها في اليد، وأخرى في الشارع. إضافة إلى تآكل شرعية معظم الأحزاب السياسية التي أساءت الاصطفاف، وفضلت أن تتحول إلى مجرد كراكيز، تحرّكها أياد خفية وراء الستار، لا تريد اللعب على المكشوف.
بعيداً عن التنجيم والتخمين حول السيناريوهات التي قد تأتي فيها حلة الحكومة الثانية في ظل دستور 2011، سواء فيما يتعلق بالأحزاب المشاركة فيها، أو الأسماء المرشحة للاستوزار، أو عدد الحقائب الوزارية، أو غير ذلك، ما سيصبح في غضون الأيام أو الأسابيع المقبلة تحصيل حاصل. يتم هنا، التوقف عند تحدياتٍ على رئيس الحكومة أن يحسم في أمرها في ولاية الثانية، فالمغاربة، أو على الأقل، جزء كبير منهم، لن يقبلوا منه استعادتها عقبات حالت دونه والإصلاح الموعود أو المنشود. فالاستعانة بلسان ابن المقفع، والحديث بلغة "التماسيح" و"العفاريت" كانت مقبولة في الولاية الأولى لأكثر من سبب. والتبرُّم من عراقيل "الدولة العميقة" جائز، بالنظر إلى تغير الموقع (معارضة/ حكومة) في فترة عصيبة داخليا وإقليميا ودوليا، مع إكراهات المسؤولية بلا خبرة سابقة.
"لا عذر اليوم لدى بنكيران وإخوانه، وبقية رفقائهم في الحكومة، أمام المغاربة، فهو يعلم قبل الآخرين أن المغاربة خطفوا هذا الفوز الذي منحوه إياه من بين فكي السلطة"

كرّر بنكيران، في أكثر من مهرجان خطابي في حملته الانتخابية، عبارة "صوتوا عليا وخليوني للبانضية"، ما يفيد بمفهوم المخالفة أن الشعب اليوم لن يقبل تبريراتٍ قوامها اللغة القديمة من رئيس الحكومة في ولايته الثانية. بالإضافة إلى أن سقف مطالب الشعب سوف يزداد الآن، ومستوى انتظارات المواطنين سترتفع. لذلك كله، لم يعد هناك مجال لإغراق الزمن الحكومي في تفاصيل العرقلة و"البوكاج" ذات الفاتورة المكلفة في مسار الإصلاح.
لهذا كله، بات لزاماً على رئيس الحكومة أن يتفطن إلى هذه الأمور، قبل قيادة قاطرة الائتلاف الحكومي، والحسم مع هذه العقبات، حتى يتسنى لها الاشتغال بأريحية، وإلا فالعودة إلى إثارتها بعد حين لن تلقى الصدى نفسه، كما في الولاية الأولى، لأن بين يديه الفرصة لحسهما ولم يفعل، وبات ينطبق عليه المثل العربي "يداك أوكتا وفوك نفخ".
أولا: على رئيس الحكومة أن يتقيد بالمتن الدستوري في التشكيلة الحكومية المقبلة، لكي يؤسس لعرفٍ مستقبلا في هذا المجال. بصيغة أخرى، أن ينضبط لما لمقتضيات الوثيقة الدستورية في مسألة المناصب الحكومية؛ وذلك باكتفائه بما ورد في الفقرة الأولى من الفصل 87 من الدستور؛ أي الوزير وكاتب الدولة، من دون اجتهاد خارج النص (وزير منتدب أو وزير دولة)، فهذا الأمر سوف يمكّنه من تقليص عدد الوزراء في التشكيلة الحكومية التي يفترض فيها ألا تتعدى 25 وزيراً في كل الأحوال. على هذا الأساس، سوف يقدم الدليل الملموس للمواطنين على حرصه على ترشيد النفقات، وحساسيته المفرطة حيالها، ويعلن أمام الملأ أن الجميع في البلد شركاء تضامنياً في تطبيق سياسة التقشف التي فرضها على نفسه في الحكومة، قبل المواطنين، من أجل تنزيل الإصلاحات.
ثانيا: اشتكى رئيس الحكومة، طوال ولايته الأولى، من أن وزارة المالية كانت أداةً في يد الدولة العميقة، تعرقل المشاريع الإصلاحية التي يرمي تنفيذها، إلى درجة بلغت مرة الاستعانة بالتدخل الملكي، كي تنفذ هذه الوزارة قراراتٍ اتخذها في المجال الاجتماعي. هكذا طوال ولايته، كان الأمر بين أخذ ورد بينه وبين هذه الوزارة التي تغرد خارج سرب حكومته (صندوق التنمية القروية، قرارها حول الأساتذة المتدربين...). واشتكى، في الأشهر الأخيرة، من تحول بعض المديريات في هذه الوزارة (مديرية الضرائب نموذجاً) إلى ذراع للتحكم، استغل في الضغط وابتزاز رجال الأعمال، لدعم خصومه السياسيين ومساندتهم.
لا مبرّر اليوم لدى عبد الإله بنكيران من وضع وزارة المالية قيد التفاوض مع أي حزبٍ، وإنما المفروض فيه أن يحتفظ بها لحزبه، لكي يتلافى ما من شأنه أن يعرقل العمل الحكومي، فهي بمثابة القلب النابض للحكومة التي من خلالها يستطيع تنزيل بقية الإصلاحات التي وعد بها.
ثالثاً: شكلت وزارة الداخلية، منذ التعديل الحكومي الذي أسندت فيه إلى تكنوقراط، مصدر قلق لرئيس الحكومة، حيث تخرج عن سيطرته من حين إلى آخر، سواء فيما تعلق بالتدخلات الأمنية في حق المتظاهرين، أو ما ارتبطت بموضوع الانتخابات (محلية، تشريعية)، فأسلوب اشتغال رجال السلطة في هذه الوزارة ما يزال محكوماً بعقلية ما قبل 2011.
لذا بات لزاماً على رئيس الحكومة تقسيم هذه الوزارة إلى وزارتين: تتولى إحداهما المهام
"لا مبرّر اليوم لدى عبد الإله بنكيران من وضع وزارة المالية قيد التفاوض مع أي حزبٍ"
التقليدية الصرفة المعروفة لوزارات الداخلية في العالم، والتي غالباً ما يتولاها تكنوقراط ممن له تكوين في هذا المجال. وتتعلق الأخرى بالجماعات الترابية، ما يفسح المجال من ناحيةٍ لبروز الرؤية السياسية على الخط في مشاريع التنمية البشرية التي قتلها رجال السلطة (القياد، العمال، الولاة). ومن ناحية أخرى، ستكون هذه الوزارة أداةً فعالةً لانخراط الحكومة في تنزيل مشروع الجهوية المتقدمة الذي دخل المغرب في مسلسله منذ سنوات.
رابعا: على الحكومة المقبلة أن تفتح حواراً وطنياً حول الانتخابات، بما تتضمنه من قوانين وتقطيع ولوائح وعدالة انتخابية... إلخ، من دون التنازل عن حق إقامة هيئة وطنية مستقلة للانتخابات. وذلك كله من أجل التأسيس لمقتضيات جديدة تتناسب وطبيعة المرحلة بتحديات جمة، وتقطع مع دابر قوانين انتخابية، يعود بعضها إلى مغرب سنوات الرصاص.
كانت تلكم بعض النقاط اللازم من رئيس الحكومة أخذها بالاعتبار في تشكيل حكومته التي ينتظر منها المغاربة الكثير، فلا عذر اليوم لدى بنكيران وإخوانه، وبقية رفقائهم في الحكومة، أمام المغاربة، فهو يعلم قبل الآخرين أن المغاربة خطفوا هذا الفوز الذي منحوه إياه من بين فكي السلطة التي كشرت عن أنيابها، فلا تخذلوهم في هذه السنوات الخمس المقبلة، كما خذلهم من سبقوكم إلى هذا الموقع، لأن خيارات المغرب في 2021 محدودة جدا؛ إما أن يقف على أعتاب نادي الدول الديمقراطية أو تهوي البلاد سحيقاً في مجهول عصي على التخيّل.

المصدر : العربى الجديد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق