اخر الاخبار محاولات السيطرة على الطوارق... مجدّداً

0 تعليق 13 ارسل لصديق نسخة للطباعة
ردّ ابن خلدون أصل الطوارق إلى قبائل عربية، نزحت من جنوب الجزيرة العربية قبل الفتح الإسلامي. ونخلص إلى أن هذه القبائل التي تموضعت في جنوب المغرب العربي في ما بعد، وصارت تسمى قبائل صنهاجة البربرية، باتت هي من يعتبرهم الطوارق موئل أجدادهم في الصحراء الكبرى، حيث يتوزعون اليوم في جنوب الجزائر، شمال مالي، شمال النيجر، جنوب غرب ليبيا، أقصى جنوب تونس وشمال بوركينا فاسو.
وفي العصر الحديث، ينسب الباحث الليبي، علي فهمي خشيم، أصل الطوارق أو الأمازيغ (على تنوّع لهجاتهم وتوزّع قبائلهم) إلى قبائل عربية جاءت من اليمن. ويصرّ على تقديم أسانيد علمية في هذا المضمار، يتمثل بعضها في دراسة لهجاتهم وتفكيك نظم بنياتها وتراكيب مفرداتها ومداليل تعابيرها؛ فإذا هي بمجملها (كما قال لكاتب هذه السطور في حوار منشور أجراه معه في ليبيا في 1988) "لهجات عربية يَمَنيّة قديمة لم تزل بعض القبائل اليمنية "تهدّرز" بها حتى اليوم"، الأمر الذي جعل خشيم يزور اليمن مراتٍ مُتقصيّاً حقيقة ذلك على الأرض.
أما الجزائري عثمان سعدي، وهو الأمازيغي القح، والذي ينتمي إلى أكبر قبيلة أمازيغية في الجزائر (النمامشة)، فيؤكد، في كتابيه "عروبة الجزائر عبر التاريخ" (1983) و"الأمازيغ عرب عاربة" (1996)، عروبة سكان الجزائر منذ القدم، وفي الطليعة بينهم الأمازيغ، حيث ردّ لهجاتهم إلى الكنعانية القديمة قبل ظهور الإسلام، وإلى العدنانية بعده. وربما لتوكيد ذلك، نشر السعدي"معجم الجذور العربية للكلمات الأمازيغية" في 2007.
لم يرق لفرنسيين رسميين كثيرين، ومعهم صقور أنصار الفرانكوفونية في عموم الدول
"يجري حالياً، وفي ظل الصراع على الطوارق، تجديد سياسة تنصير الشريط الصحراوي الفاصل بين شمال إفريقيا العربي المسلم وغرب إفريقيا الأسمر المسلم"
الفرانكوفونية، هذا الصنيع العلمي الذي اضطلع ويضطلع به عثمان سعدي، فراحوا يشنّون عليه حروباً سياسية وإيديولوجية متواصلة، متهمين أبحاثه باللاعلمية واللامنهجية وحتى باللاتاريخية. أما هو فكان ردّه، بالإضافة إلى ما أصدره من كتب وأبحاث، بمزيد من الانحياز إلى قناعاته العلمية وتظهيرها في نشاطات سيو/ ثقافية قوية، فترأس، مثلاً، "الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية" منذ 1990، وأشرف على إصدار كتاب "الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية.. خمس عشرة سنة من النضال في خدمة اللغة العربية" (2005).
وظلّ عثمان سعدي، ومعه الراحلان، علي فهمي خشيم وخليفة التلّيسي الذي يعد من كبار المؤرخين والدارسين والمترجمين الليبيين، (وغيرهم من علماء ونقاد ومؤرخين وبحاثة مغاربيين ثقاة...) يعتبرون الطوارق في الجزائر وليبيا ومالي وعموم جنوب الصحراء الكبرى عرباً عاربة، عاشت وتعيش حياة بدوية حقيقية، لا تنفصل عن حيوات نظيراتها في صحارى عربية أخرى، علماً أن الكثير من الطوارق، البالغ عددهم، ما بين 3.5 إلى 4 ملايين، اندمجوا في مجتمعات البلدان التي قسّمت وطنهم الصحراوي الكبير.
ولا يزال الصراع على الطوارق، إن في داخل الدول التي انتظموا في كنفها، أو مع الدول الغربية التي تدير اللعبة بتفاصيلها، مثل فرنسا والولايات المتحدة (اللاعب الجديد نسبياً في أفريقيا، بالمقارنة مع فرنسا وبريطانيا)؛ فمثلاً طالب الطوارق في كل من مالي والنيجر بحكم ذاتي لمناطقهم، وخاضوا حروباً دامية في هذا السبيل، سقط خلالها آلاف الضحايا. ولم تنته هذه الحروب، إلّا بعد تدخل فرنسي جزائري مشترك، أثمر اتفاقيات سلام، واحدة في مالي في 1922، وأخرى في النيجر في 1995. والاتفاقيتان، وإن دعتا، في أبرز بنودهما، إلى تثبيت سلطة وطنية لا مركزية، ودمج المسلحين الطوارق في جيشي البلدين، غير أن شيئاً من بنودهما لم ينفذ على الأرض. وبالتالي، ظلّ الطوارق، في النيجر مثلاً، غير ممثلين في الحكومات المركزية المتعاقبة حتى الآن. كما أن أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية تزداد تدهوراً وتخلفاً وفقراً وتهميشاً وارتفاعاً في معدل الأمية.
وأسّس طوارق مالي "الحركة الوطنية لتحرير أزواد"، ونجحوا في تحرير أزواد وإعلان استقلالها، غير أن ذلك كله ظلّ محصوراً بهم، ومغلقاً عليهم، ولم تعترف بهم أي دولة؛ بل على العكس، دُفعوا إلى أن يخوضوا حروباً أهلية تهدأ وتشتعل، بحسب تجاذبات مصالح من يعنيهم الأمر، وليس في استطاعتهم هم التحكّم بها، وإن كانوا جزءاً أساسياً من مسرحها.
أما طوارق ليبيا فهم أيضاً في وضع لا يُحسدون عليه، إن كان في مدينة غات أو في مدينة أوباري في جنوب غربي البلاد. وعلى الرغم من توقيع اتفاقية سلام ووقف نهائي لإطلاق النار، بين قبيلة التبّو والطوارق في الدوحة في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، ونشر قوة عسكرية محايدة (من قبيلة الحساونة) لوقف النزاع بين الطرفين الليبيين، إلّا أن الأجواء عادت إلى التوتر بينهما، بعدما اختُرق الاتفاق في منتصف يناير/ كانون الثاني 2016، والأجواء حالياً ملبّدة بغيوم حرب وشيكة أكبر وأوسع، خصوصاً وأن المنطقة غنية بثرواتٍ طبيعية لا حصر لها، من نفط وغاز ومعادن ثمينة على أنواعها؛ وعين الفرنسي والغربي الأميركي دائماً عليها. لكن، من الصعب أن يستسلم الطوارق للأمر الواقع، والقبول بما هم عليه من غبن وإجحاف وهدر حقوق، خصوصاً وأنهم شعب صلب وشرس، قاوم الاستعمار الفرنسي بضراوة، على الرغم من اللاتكافؤ في الأدوات والتقنيات العسكرية بين الطرفين.
وقبل الاستعمار الفرنسي، لم تستطع أصلاً أي قوة خارجية السيطرة على مناطقهم، لا في الإمبراطوريات القديمة، ولا في الحديثة. صحيح أن الفرنسيين أجبروا الطوارق، في محطّات تاريخية معينة، على توقيع معاهدات سلام معهم، خصوصاً في مالي في 1905، وفي النيجر في 1917، إلّا أن هذه الاتفاقات ليست مضمونة ألبتة بالنسبة إلى الفرنسيين، ولم يركنوا يوماً إلى استمرار نفوذهم وبقاء مصالحهم نتيجة لاتفاق مع أي جهة طارقية.
"لم يعد للغربيين، فرنسيين كانوا أم أميركيين، من وسائل ناجعة لحفظ مصالحهم (خصوصاً المستقبلية منها)، إلّا استخدام "القوة الناعمة" مجدّداً مع الطوارق"

ولو كان للطوارق أرض واحدة غير مشتّتة في دول عدّة، لكان من الصعب مواجهتهم وكسر شوكتهم بالمعنى الاستراتيجي للكلمة، غير أن قبائلهم وإن ظلّت متفرّدة، وغير موحّدة إجمالاً، إلّا أنها أظهرت، في المقابل، مقدرات ومهارات عسكرية عالية ونافذة، استطاعت إلحاق الهزيمة بحملات عسكرية فرنسية عديدة متعاقبة عليهم خلال القرن التاسع عشر. واليوم، لم يعد للغربيين، فرنسيين كانوا أم أميركيين، من وسائل ناجعة لحفظ مصالحهم (خصوصاً المستقبلية منها)، إلّا استخدام "القوة الناعمة" مجدّداً مع الطوارق، إن كان عبر وسائل التبشير الديني (وهي قديمة في المناسبة، وبعضها سبق الحملات العسكرية أيضاً) أو بناء المستشفيات والمؤسسات التعليمية والثقافية، أو عبر الربط مع مدن وقرى أوروبية، يسمّيها الطوارق "جيملاج"، أي التوأمة، حيث يتم تبشير قوي من نوع آخر، يقبله طوارق كثيرون، تهملهم دولهم ولا تعترف بهم، وتعتبرهم شذاذ آفاق ينبغي استئصال شأفتهم.
وعلى أي حال، يجري حالياً، وفي ظل الصراع على الطوارق، تجديد سياسة تنصير الشريط الصحراوي الفاصل بين شمال إفريقيا العربي المسلم وغرب إفريقيا الأسمر المسلم، والممتد من شرق النيجر إلى حدود مالي مع موريتانيا. ويجري هذا التنصير السياسي (وليس الديني طبعا) في أهدافه وأبعاده، في ظروفٍ أمنيةٍ خطرةٍ جداً على حياة "المبشّرين" أنفسهم. لكن يبدو أن كل شيء يهون أمام النجاحات التي تحققت سابقاً بانضمام عدد كبير من مواطني الصحراء الطوارق إلى "المسيحية السياسية"، وصاروا جنوداً في خدمتها، إن في السياسة والعسكرة، أو في الثقافة والتثقيف.

المصدر : العربى الجديد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق