اخر الاخبار البحث عن بديل في مصر

0 تعليق 9 ارسل لصديق نسخة للطباعة
يتهاوى نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ويظهر أن الأمر مقصود من بعض القوى التي نالها من الضرر الكثير، نتيجة استئثار الجيش بتمويل الخليج، وإهدار المال في مشاريع أسماها "قومية".
في بلد مثل مصر، لا توجد معلومات قابلة للرصد والتحليل العلمي، فجل ما في الأمر محاولة لفهم بعض المؤشرات. وجاء فيديو "سائق التوك توك" على قناة الحياة، القريبة من دوائر رجل الأعمال المصري، نجيب ساويرس، بينما نشر الأخير على حسابه في "تويتر" موقفًا يدعم "سائق التوك توك". ومن قبل، نشرت قنوات كثيرة عن خلاف القائم بين ساويرس ومرشح الرئاسة السابق، أحمد شفيق، ورئيس الأركان السابق، سامي عنان، من جهة، والسيسي من جهة أخرى، ونشر، أخيراً، عن تقارب بين هذا الفريق والمملكة العربية السعودية، الحليف الأهم لنظام الجنرال عبد الفتاح السيسي. كما أن مشاهد كثيرة سابقة على إطاحة الرئيس محمد مرسي بأسابيع تتكرّر، أزمة السكر، أزمة الألبان، أزمة الدولار، أزمات مع القوى الإقليمية الداعمة للنظام. كما أن تداعي الاقتصاد المصري والأزمات المتلاحقة التي تعقب قرارات توصف بـ "الغباء" أدى إلى الإضرار باستثماراتٍ وشراكاتٍ، كانت تمثل حجر زاوية في الامبراطوريات الاقتصادية غير العسكرية.
في مقابل هذا، تحظى الاستثمارات العسكرية بحصانةٍ قويةٍ إزاء مخاطر الانهيار الكامل للعملة المصرية، فمن أصولٍ عقارية وأراضٍ تحوز القوات المسلحة فيها أكثر من 90% من مساحة البلاد، واستثمار قوات الجيش المجندة للعمل في المصانع التابعة للجيش، وامتلاك البنية التحتية للاتصالات والمواصلات، فضلاً عن الأرباح الهائلة التي يجنيها الجيش من صدارة السلطة، وليس أكثرها حصوله على ما يزيد عن 50 مليار دولار من مساعدات الخليج. إزاء هذا كله، لا يبدو غريباً اتخاذ السلطة قراراتٍ تهدم أركان النظام الاقتصادي غير العسكري.
المؤسف أن بشائر التغيير لا تحتمل سوى بديل آخر من داخل المؤسسة العسكرية، أو "مدني" من النخبة السياسية البائدة، بحيث يجري التصالح على توزيع جديد للغنائم.
والمؤسف أيضًا أن الحراك الشعبي الذي تغلي به شوارع الحضر وما دونه، في القاهرة ومرفقاتها، سيكون وقودًا في عملية "تصفية الحسابات" الجارية، بحيث لن تنال الطبقة الكادحة منه إلا الفتات، إن أفلتت من الموت. وفي هذا الإطار، ليس بعيدًا أن تكون السلطة القائمة قد دبرت "ثورة 11/11" المزعومة، مناورة في مجريات الصراع، لأن الحقيقة أنها مناورة تحقق مكسباً مهماً، هو اختبار مدى استقرار النظام الحالي قبل رفع الدعم الحكومي عن البنزين، وتعويم العملة المصرية تماماً، وهي إجراءاتٌ حتمية. وعلى هذا، ستحسب السلطة توقيت ذبح المواطن المصري في إطار صراعها على البقاء مع القوى الأخرى. ولكن الأهم من هذا وذاك استغلال بعض النخب السياسية، خصوصاً نخب الشباب، الأحداث باعتبارها بوادر "ثورة جياع"، وترويج الآمال بانفجار قريب، على غرار مفاجأة "25 يناير".
"لا تزال أمام قوى التغيير المدني في مصر أشواط طويلة من تأسيس خطاب شعبي لائق بالسياق الاجتماعي- الثقافي للجماهير، واكتساب المصداقية الكافية لدى الشارع"

الحقيقة أن الغضب الشعبي في مصر كامن حاضر في جميع الأوقات، كما أن وعي الطبقة دون المتوسطة بحجم الفساد والنهب والاستغلال من الطبقة لم يكن يومًا قليلاً، جل ما في الأمر أن بعض القوى تستغل هذا الغضب، لصالح تغيير يستبدل فاسدًا بفاسد آخر. أما عن كيفية إسكات هذا الغضب، بعد انقضاء الغرض منه، فالأمر بسيط، ستطلق السلطة كلابها المسعورة على منابر الإعلام، لتخون وتفرق ما وحدته "لقمة العيش"، وتوزّع الجمعيات التعاونية السكر والزيت المجاني، وتنتهي الأزمة. إن شعبًا أكل لحوم الموتى في ما تعرف بـ "الشدة المستنصرية" لن يثور لأن حكومته تبيع، أو تسمح بتداول، لحوم الحمير والكلاب بدلاً عن الأبقار. وبالطبع لن يثور لأن اللحوم المستوردة تأتي على غير مواصفات الذبح "الشرعي". كما يظهر التعويل على ازدياد الوعي الشعبي بتقدم تكنولوجيا الاتصالات، وأن "باقة الإنترنت" تسمح بالإطلاع على الإعلام البديل. هذا العامل صح تأثيره في سياقات سياسية-اجتماعية أخرى، أما في مصر، فقد كان، ولا يزال، حاضرًا منذ مطلع الألفية الثالثة، وفشل في إحداث تغيير جذري في "25 يناير"، الفرصة الضائعة، فلا جدوى من استدعائه الآن في إرهاصات تغيير تدبره القوى نفسها التي قتلت هذه الفرصة. وليس انتشار فيديو سائق التوك توك مؤشراً على حصول تغير في هذا العامل، فالحقيقة أن رسائل كثيرة في التواصل الاجتماعي تحقق انتشاراً مماثلاً، ولا ينتح عن جميعها حراك جماعي في أرض الواقع.
وأخيراً، تظهر من جديد أزمة النخب في اختصار مصر، البلد الذي يضم قرابة مئة مليون إنسان، في القاهرة وما حولها. لنذكر من جديد أن "مصر ليست القاهرة"، وأن الأقاليم والصعيد قد صوتت في الانتخابات التي أعقبت "25 يناير" لصالح الاستقرار لا التغيير، وأن أزمة سيناء تفوق أزمة السكر والدولار بمراحل، فلو كان لـ "ثورة الجياع/ الفقراء" أمل لجاءت بوادرها من أطراف البلاد قبل قلبها.
لا تزال أمام قوى التغيير المدني في مصر أشواط طويلة من تأسيس خطاب شعبي لائق بالسياق الاجتماعي- الثقافي للجماهير، واكتساب المصداقية الكافية لدى الشارع، والوقوف بصرامة في وجه الاستبداد، وتمثل قيم الحرية والعدالة بنزاهة ووضوح، واجتياز الاختبار الأشقّ على الإطلاق، وهو إيجاد مشروع وطني يجمع كل الأطراف، ويشحذ قواها لمقاومة دولة الغصب والعدوان.

المصدر : العربى الجديد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق