اخبار اليوم عن أهمية الالتزام بأدوار المسرحية

0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة

(1)

تصفيق طويل طويل، وهتافات، وأعلام، وموجة حماس، قاطعت قراءة الرئيس السيسي لفقرة «تشكيل لجنة لمراجعة أوضاع الشباب المحبوسين».

كلكم يبكي، فمن سجَنَ الشباب؟

(2)

التناسي غير النسيان..

بشكل شخصي شاركت في البحث عن الحالات وتوثيقها بالشكل القانوني المطلوب للجان سابقة، ومستعد الآن أيضاً لتكرار ذلك. مستعد للتناسي لا النسيان.

ربما هذه هي المرة السادسة لطرح نفس الفكرة.

المرة الأولى كانت في ديسمبر 2014 بلقاء للرئيس مع شباب الإعلاميين، وفوراً اندلع الحماس، جمع الإعلاميون والمجلس القومي لحقوق الإنسان مئات الأسماء، وقدمت المنظمة العربية لحقوق الإنسان 206 أسماء، وقدمت نقابة الصحفيين قائمة من 28 صحفياً، على رأسهم المصور شوكان، والصحفي هاني صلاح الدين الذي يعاني ظروفا مرضية صعبة. أصيب الجميع بالإحباط بعد مرور ذكرى الثورة دون أن يتم الإفراج.

في فبراير 2015 أكد السيسي مرة أخرى ضمن حديث بالتليفزيون الحكومي أن «هناك إمكانية لوجود شباب أبرياء محبوسين، وسيتم الإفراج عن المجموعة الأولى وفقًا لمبادرة شباب الإعلاميين».

استغرق الأمر 4 أشهر إضافية حتى خرجت الدفعة الأولى في 16 يونيو 2015 بعفو رئاسي عن 165 شخصاً، وهنا نزلت الصاعقة على الجميع.

طيلة الأشهر السبعة كان يتردد أن السبب الرئيسي للتعطيل هو أن سلطة العفو تقتصر على من صدرت عليهم أحكام نهائية باتة، لكن المفاجأة هي اشتمال العفو على عديد ممن صدرت عليهم أحكام الدرجة الأولى فقط، وبعضهم بأحكام مشددة تصل للمؤبد!.

طيلة الأشهر السبعة أيضاً كان يتم التأكيد أن العفو لن يشمل متهمين بقضايا العنف والإرهاب، وأن الحديث عن قضيتي التظاهر بمجلس الشورى والاتحادية بشكل خاص، ثم كانت المفاجأة أن كل المُفرج عنهم كانوا من قضايا تخص الإخوان، ومنهم بعض المحكوم عليهم بقضايا أحداث عنف وإرهاب وإحراق كنائس!.

بالتأكيد لا مظلوم أولى من آخر، لكن كاد الجميع وقتها يصاب بالجنون مما حدث، لأنه لا قاعدة مفهومة. إلى اليوم مازال هذا العفو لغزاً.

وبالمناسبة إلى اليوم أيضاً مازال شوكان وهاني صلاح بالسجن..

تطلب الأمر الانتظار 3 أشهر أخرى، حتى صدر العفو عن 100 مسجون في 23 سبتمبر 2015، وهذه المرة كان منهم أغلب المتهمين بقضايا التظاهر. جميل ورائع، لكن لماذا 100 بما يوحي أنها منحة منضبطة؟ كأن هناك من قال «هما زعلانين؟ طيب طلعلهم 100».

ما يزيد نفس الإيحاء هو بقاء بعض المشتركين بنفس القضايا في السجن، مازال أحمد عبدالرحمن مسجوناً إلى اليوم، رغم أنه تحديداً لم يكن ناشطاً سياسياً كالآخرين، وكان ماراً بالصدفة وتدخل لمحاولة حماية الفتيات.

في يوليو 2016 عاد الحديث عن عفو رئاسي بمناسبة عيد الفطر، أرسلت المنظمة العربية لحقوق الإنسان قائمة من 150 اسماً، لكن انتهى الأمر بالإحباط.

في 23 أغسطس الماضي، منذ أقل من شهرين، تحدث الرئيس السيسي مرة أخرى بحواره مع الصحف القومية عن عفو يتزامن مع عيد الأضحى، قائلاً: «القوائم تضم أكثر من 300 شاب من أبنائنا، منهم أصحاب حالات صحية وإنسانية وشباب شاركوا في تظاهرات، ومنهم تخصصات مختلفة، ومنهم صحفيون، وسوف يصدر قرار بالعفو والإفراج عنهم خلال أيام».

صعد الأمل إلى أقصاه، لا يمكن أن يتحدث الرئيس شخصياً بهذا الوضوح ثم يُخلف وعده، كما أن الظرف الدولي الخاص بقرض صندوق النقد يتطلب إجراءات كهذه.

قدم المجلس القومي لحقوق الإنسان 600 اسم، لكن ما حدث هو مرة أخرى الإحباط الكبير، عفو عيد الأضحى اشتمل على جنائيين فقط، ومنهم اللواء محسن شتا، المسجون بقضية مذبحة استاد بورسعيد.

وقتها انتشرت السخرية بأن هذا هو مفهوم الرئيس لشباب الثورة أو الحالات الإنسانية، وأن «خلال أيام» تعني أيام الحكومة لا أيام البشر.

السخرية تزعج سيادتكم؟ السجون تزعجنا أكثر.

(3)

تاريخياً كانت السياسة في مصر تشمل في جزء منها التواطؤ المشترك على المسرحيات، لكن من أبرز الاختلافات لنظام السيسي عن نظام مبارك أنه لا يلتزم بدوره المسرحي.

منذ اللحظة الأولى رفض السيسي في بداية ترشحه تقديم برنامج، بينما كان يمكن ببساطة كتابة شعارات عامة، في المقابل قدم مبارك برنامجاً بانتخابات 2005.

كان مبارك يتحدث عن الدولة الديمقراطية العريقة، بينما تحدث السيسي بصراحة تامة عن أنه «لا حديث عن الديمقراطية دون مراعاة المصلحة الوطنية»، وأن «الديمقراطية الكاملة لن تتحقق قبل 25 عاماً»، وعن أن مصر تختلف عن العالم بأنها «أشباه دولة».

كان مبارك يكرر، بكلامه لا أفعاله، تقديسه للدستور، بينما الرئيس السيسي وصف الدستور بأنه «طموح جداً»، وأنه «كُتب بنوايا حسنة والدول لا تُبنى بالنوايا الحسنة».

كان مبارك يدعي إيمانه المطلق بحرية الصحافة، بينما الآن يكرر السيسي بصراحة تامة أن عبدالناصر كان محظوظاً بإعلامه الداعم للدولة، ويقول للصحفيين إن دور الإعلام «أن يهمس في أذن المسؤول»، ويبدى استياءه من مانشيت منخفض السقف «منورة يا حكومة».

كان هامش الحياة السياسية بعصر مبارك يتسع ليسمح بدخول 100 عضو معارض لبرلمان 2005، ويسمح بأن يهتف مواطنون بسقوطه أمام نقابة الصحفيين ثم يعودون لمنازلهم، وفي المقابل لدى الدولة حزب حاكم يتظاهر بأنه مدني ذو قاعدة شعبية. كل هذا كان زيفاً بالطبع، لكن الوضع الحالي هو الفراغ السياسي التام، لا حزب حاكم بل يدخل رجال الجيش والشرطة والقضاء البرلمان كفئات حاكمة بأنفسهم دون وسيط، ولا مجال للسماح للمعارضة بأي فرصة، كما حدث بتفصيل قانون انتخابات طالبت كل الأحزاب الرئيس بتغييره، ثم الضغط لمنع ترشح قائمة «صحوة مصر» أصلاً.

المسرحيات المُتقنة تجعل كل الممثلين يقفون عند حدودٍ ما، كما قد تتحول في لحظات معينة إلى حقيقة، وهذا يخدم الجميع.

مثلاً عام 1995 قاد نقيب الصحفيين إبراهيم نافع، وهو بالتأكيد ليس ثائراً ولا معارضاً، زملاءه ضد «قانون 93» الذي يصادر حرية الصحافة، وبالفعل استجاب مبارك له. فلنقارن ذلك بموقف السيسي من نقيب الصحفيين الحالي، يحيي قلاش، الذي لايزال يُحاكم إلى الآن.

منذ اللحظة الأولى لظهور فكرة لجان الإفراج في ديسمبر 2014، ظننت أننا في مسرحية «شكراً للمسة الإنسانية من الرئيس الأب»، وفعلا كنت مرحباً جداً بالمشاركة، وأحسب أني وغيري التزمنا بدورنا كاملاً، لكن ممثلاً آخر هو من يهدم المسرح ويهاجم الجمهور.

(4)

تجاوز المسرحية من جانب السلطة يدفعنا لتجاوزها من جانبنا أيضاً.

لو كان التعامل تم بجدية واحترام منذ البداية، لكان قطاعا واسعا من الشباب تواطأ بالشكر أو الصمت، ولكانت قطاعات أخرى أكدت أن كل ما حدث هو مجرد أخطاء فردية.

لكن الآن بعد مرور عامين، بكل ما يحمله كل يوم من قهر للمسجونين، يجب طرح الأسئلة:

أين ذهبت القوائم الماضية كلها؟ بالصدفة محمد عبدالعزيز الذي كلفه الرئيس باللجنة الجديدة هو نفسه عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي أعد قائمة الـ 600 اسم. لماذا لم يرد عليه بأن القائمة لديكم بالفعل؟

وهذه اللجان كلها لماذا لم تتم أبداً بالشكل الجاد اللائق بلجنة رئاسية؟

لماذا لم يصدر قرار رسمي باللجنة؟ من هم أعضاؤها؟ ما هي صلاحياتهم؟ لماذا لا يعرف أحد وسيلة للتواصل الرسمي على رقم كذا أو بريد كذا؟

من الجهات التي تراجع الحالات؟ هل هي نفس الداخلية التي قبضت عليهم وكتبت تحرياتهم، ونفس النيابة التي تجدد لهم الحبس الاحتياطي الأبدي؟

والسؤال الأهم: ما هي مواصفات المظلومين؟

للأسف هناك قواعد غير مكتوبة، أولها ألا يكون المظلوم من جماعة الإخوان المُنتهكين، ورغم أن الرئيس كرر أنهم كأفراد ليسوا مستهدفين ماداموا لا يضرون الوطن، لكن على أرض الواقع يكفي ذكر كلمة «إخوان» عن أي مسجون لتسقط عنه كل حقوقه.

القاعدة الثانية ألا يكون مظلوماً فقط، يجب أن يكون مظلوماً (و ...)، وما بعد الواو يتنوع حسب وسيلة توسل التعاطف، قد يكون صحفياً صاحب حالة مرضية كالأستاذ هشام جعفر، أو فتاة رومانسية مثل آية حجازي، أو طالباً بجامعة دولية يكتب الإنجليزية بطلاقة كأيمن موسى، أو مُتبرئاً من السياسة كلها مثل عمر محمد على صاحب هاشتاج «اللي ملوش فيها»، ومثل «مجموعة العشرة» الذين قُبض عليهم بالصدفة في محيط رابعة منذ 3 سنوات، ونشروا عدة رسائل تتبرأ من أي علاقة لهم بباقي المتهمين.

لكن رغم التزامنا بقواعد العدالة الانتقائية لم يلتزم الطرف الآخر، ولايزال كل هؤلاء بالسجون!.

هذه المرة الرئيس السيسي قال إن اللجنة ستراجع وضع من لم تصدر عليهم أحكام أصلاً، وهذا يستبعد من البداية نسبة ضخمة من المسجونين بلا أي مبرر.

بعض التسريبات قالت إن القائمة ستشمل المتهمين بالتظاهر فقط، وهذا بدوره يتجاهل أن المشكلة ليست في قانون التظاهر أصلاً.

أحمد عبدالرحمن محكوم عليه بالسجن خمس سنوات بتهمة حيازة سلاح أبيض، وعمر محمد على محكوم عليه بالمؤبد بتهمة الانضمام لتنظيم إرهابي، وآية حجازي متهمة باستغلال الأطفال جنسياً، والأستاذ هشام جعفر تهمته الغامضة هي «الرشوة الدولية»، وإسماعيل الإسكندراني تهمته «بث أخبار كاذبة».

بالابتعاد أكثر يمكن أن نسأل:

ولماذا يُحبس الأبرياء أصلاً؟

كيف يمكن إصلاح الداخلية والقضاء لتفكيك منظومة (الظلم القانوني)؟ كيف نصل إلى قضاء لا تصدر به أحكام المستشار ناجي شحاتة التي تُبطلها محكمة النقض؟

كم عدد من قُبض عليهم بخلفيات سياسية أياً كانت بعد 30 يونيو؟ كم منهم بتهم عنف وإرهاب وكم منهم بتهم التظاهر؟ كم منهم لايزال بالسجون؟

ثم تظهر الأسئلة الجذرية من قبيل:

لماذا يلجأ النظام لهذه الوسائل لو كانت فعلاً شرعيته تامة وشعبيته كاسحة؟ هل هناك جدية في الشراكة السياسية أم هو احتكار للحكم على نهج دولة يوليو؟ من يتحمل مسؤولية وصول الاقتصاد إلى الأزمة الحالية؟ هل أسباب الأزمة اقتصادية فقط أم سياسية أيضاً؟

(5)

رغم كل شيء لا مانع عندي إطلاقاً من إعادة البروفة بكل الشروط التي يضعها المخرج في هذه المسرحية أو غيرها. بشكل واقعي لا يوجد بيدنا خيارات كثيرة، والسياسة فن الممكن، وقد يكون الاختيار بين السيئ والأكثر سوءاً.

وبالتأكيد أرحب بأي شيء يساعد ولو لتوفير يوم سجن واحد على شخص واحد من إخوتنا بالزنازين.

لكن هل يمكن أن يلتزم الممثل الآخر بدوره بشكل جاد هذه المرة؟

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق