اخبار اليوم حزب للحكومة وآخر للمعارضة

0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الأفكار تأتى وتذهب حول أفضل الطرق للفاعلية السياسية فى الدولة. فليس كافيا فقط أن نكون دولة مؤسسات وفيها السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية منفصلة ومتوازنة طبقا للدستور والقانون، وإنما أن تكون هذه الحزمة من برلمان وحكومة ومجالس قضائية ذات فاعلية فى تحقيق أهداف المجتمع ومصالح الدولة القومية. فكما أن العربة لا يكفيها أن تكون أجزاؤها سليمة، وفيها من الوقود ما يكفيها للمسيرة، فإنها تحتاج لمن يبدأ محركها، ومن يقودها نحو أهداف بعينها وفق أولويات حددها الناس. هذه تحديدا مهمة الأحزاب السياسية، وما هو معروف بالمجتمع الأهلى، والصحافة والإعلام ومراكز الرأى والفكر والمثقفين. المؤسسات هكذا ليست أجهزة جامدة تفخر بما يأتى فى دستورها، ولكنها حالة ديناميكية تعبئ طاقات الدولة وقدراتها حتى تأخذ بيدها من حالة لا تسر أحدا إلى حالة أخرى تسرى السعادة فى الأوصال الشعبية.

موضوع السعادة ربما يحتاج حديثا آخر، ولكن ما يهمنا هنا أن مصر استكملت مؤسساتها الرئيسية عندما وضعت دستور ٢٠١٤، وانتخبت رئيسا للجمهورية، وبعدها مجلسا للنواب، وتبقى انتخابات المحليات لكى تكتمل المنظومة السياسية كلها فى البلاد. ويبدو أن كثيرين ممن يقلقون على مستقبل البلاد قد وجدوا أنه لكى تعمل هذه المؤسسات بفاعلية وسط تحديات ضخمة لا بد لها أن تتضمن حزبا سياسيا يكون سندا للسلطة التنفيذية ومؤسسة الرئاسة على رأسها فى تنفيذ الخطط الطموحة للتنمية من ناحية؛ وإعطاء محتوى سياسى له علاقة بالأهداف والأولويات للسلطة السياسية. وفى بعض الأحيان فإن التعبير السياسى الذائع كان توفير «ظهير سياسى» للرئيس عبدالفتاح السيسى يسانده فى القرارات الصعبة الخاصة بالتنمية (برنامج الإصلاح المتولد عن الاتفاق مع صندوق النقد الدولى مثالا) أو تلك الخاصة بمواجهة الإرهاب فى الداخل والخارج. ولكن فى أحيان أخرى فإن الاقتراح بات تشكيل حزب سياسى مؤيد للرئيس وسياساته؛ ولعل الأطروحة التى طرحتها د. هدى عبدالناصر استقاء من تجربة الرئيس جمال عبدالناصر كانت أكثر من بلور هذا الاتجاه ودفع الفكرة إلى دائرة النقاش العام.

فى الواقع السياسى المصرى، واستنادا إلى التجربة التاريخية، فإن الفكرة ذات أبعاد كثيرة. منها أن الرئيس والسلطة التنفيذية تحتاج ظهيرا سياسيا، يبدو أنه حتى الآن ينحصر فى التكتل النيابى «دعم مصر»، الذى يقتصر دوره على التصويت لصالح القوانين والتشريعات التى ترى فيها السلطة التنفيذية مصلحة للبلاد. ولكن هذه المهمة ليست كل ما تحتاجه قيادة الدولة، فهى لا تنصرف إلى كسب الرأى العام، كما أنها لا تقوم بالحوارات الضرورية لبلورة اتجاهات المواطنين، كما أن هناك شكا كبيرا فى استمرار ولاء الأعضاء حيث يوجد لها هوامش كثيرا ما تجد مرونة فى الحركة داخل وخارج المجموعة؛ أى أن التزامها السياسى غير مضمون فى موضوعات صعبة وشائكة. البعد التاريخى للموضوع لا يسبب اطمئنانا لأحد، لأن تجربة الحزب الواحد حتى ولو كان اسمه حزب ٣٠ يونيو لم تكن ناجحة فى أى من البلدان التى جربتها، كما أن تجربتنا الخاصة سواء كانت تحت تنظيمات «فضفاضة» مثل هيئة التحرير والاتحاد القومى والاتحاد الاشتراكى العربى أو أخذت شكل الأحزاب السياسية الصريحة مثل الحزب الوطنى الديمقراطى لم تكن مبشرة بل إن هناك جماعة منا على الأقل ترى أنها كانت سببا من أسباب ولوجنا إلى عصر الثورات. ففى الحالتين، وما بين التنظيم الواحد، والحزب الواحد المضمون الأغلبية الكبرى، وسط مجموعة من الأحزاب التى كتب عليها أن تكون صغيرة إلى الأبد، فإن شرعية النظام كانت دوما مجروحة، كما أنه لا يوجد الكثير الذى يشير إلى أن المنظومة السياسية كانت تعمل بفاعلية. وعلى العكس فإن ما جرى فى مصر كان أن الشعب طلب «إسقاط النظام» وبات علينا بعد خمس سنوات من ذيوع الشعار أن نبحث عن نظام آخر يسمح لانتقال السلطة أن يكون سلسا من ناحية، وأن يعطى من ناحية أخرى السلطة القدرة والإمكانيات والطاقات التى تجعلها قادرة على تحقيق الأهداف القومية.

التصور الممكن هنا، والذى يجعلنا نغادر الواقع القلق الذى نعيشه، هو أن نسعى كدولة وشعب ومجتمع ليس لإنشاء حزب «ظهير الحكم» فقط وإنما حزب المعارضة أيضا. المسألة هنا ليست سهلة طالما أنه لا أحد يريد تنظيمات مفتعلة أو تعبر عن تمثيلية سياسية شبّت التجربة المصرية عن طوقها، ولم يعد أحد يستطيع استساغتها، أو تكرار تجارب مؤسفة مرة أخرى، وإنما يريد أسبابا سياسية حقة لقيامها. ونقطة البداية هنا أنه لا توجد حاجة للتعجل. فى الأوضاع الحالية لما ذاع أنه مرحلة «شبه الدولة» فإننا فى الواقع لدينا نوع من «شبه التأييد السياسى» كما أن لدينا من جانب آخر «شبه معارضة». الحدود بين الطرفين ليست قاطعة، كما أن الالتزام السياسى فى كليهما مائع وفضفاض ويصعب القطع به. ومع ذلك فإن كليهما يعبر عن اتجاه سياسى مهما كان فيه من غيوم فإن جماعة «دعم مصر»ـ حب مصر سابقاـ تميل إلى حالة من التدخل الدائم للدولة لكى تتحمل أعباء حماية الفقراء والتأكد من عدالة توزيع الثروة فى البلاد. جماعة المعارضة، وفيها أحزاب الوفد والمصريين الأحرار ومستقبل وطن، تقول إنها ترغب فى مجتمع عصرى يقوم على اقتصاد السوق وآلياته التى تسمح بالتنمية.

ومن حسن الحظ أن الحدود بين الجانبين ليست قاطعة، وهناك مساحات من الاقتراب تجعل إمكانية الحوار السياسى ممكنة. ومع ذلك فإن ما لدى الجانبين من الوضوح وبلورة الفكر لكى نصل إلى حركات سياسية لا يزال أمامه وقت للنضوج ينبغى أن يكون على نار المنافسة غير العنيفة. ما ندعو إليه هنا هو أولا أنه لا ينبغى أن تكون هناك عجلة لتكوين «ظهير السلطة» السياسية مع التأكيد أن ظهور الظهير لا بد وأن يقترن بظهور آخر لحزب معارضة قوى. وثانيا أن هناك واجبا على الأحزاب المشار إليها أعلاه أن تقوم بعملية بناء حركة سياسية قائمة على أفكار سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية متسقة، ومتوجهة إلى شرائح اجتماعية بعينها، وهذه تكون الإطار العام لحزب سياسى معارض. وللأسف فإنه فى المرحلة الانتقالية التى جرت بعد ثورة يونيو فإن تحالف يونيو الذى أسقط الإخوان المسلمين سرعان ما تفكك، وكان من أبرز ضحايا جبهة الإنقاذ الوطنى التى بدلا من أن تكون نواة حزب معارض، فإنها انتهت إلى التفكك. الآن لدينا لحظة أخرى لا تمثل ظرفا ثوريا ضاغطا على الجميع باختيارات صعبة، وإنما هى لحظة بناء تطرح على المجتمع والدولة خيارات متعددة، وأولويات مختلفة، لا يمكن لمصر التعامل معها دون تعددية سياسية حقيقية.

مثل هذا لا يعنى الانقسام، ولا تفتيت اصطفاف وطنى فى لحظة حرجة، وإنما هى فى جوهرها تعامل مع قضية تنمية البلاد من الطبيعى أن يخلق خلافا وتمايزا بين تشكيلات اجتماعية فى مجتمع المائة مليون مصرى. والثابت أن طرفى المعادلة التى أشرنا إليها كلاهما يؤمن بمصر كدولة، وبدستور ٢٠١٤ كوثيقة حاكمة لها، وبعدهما فلا بأس من الخروج إلى الصيد فى قوارب متفرقة طالما أننا جميعا فى النهاية سوف نكون فى سفينة واحدة.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق