اخبار اليوم أيديولوجيا الغموض.. نقد خرافة الحكومة السريّة للعالم

0 تعليق 4 ارسل لصديق نسخة للطباعة

( 1 )

كلما التقيتُ طلاب الجامعات وشباب القوى السياسية.. أجدُ عددًا منهم يتحدَّث عن الحكومة السرية التي تحكم العالم. وبدلاً من أن يكون هذا الحديث طريقًا للمواجهة والتحدّى.. أصبح طريقًا للإحباط والعدميّة.. والاستسلام إلى «راحة اليأس».

لقد اتّسعت مساحة الإيمان بهذه الخرافة.. لتشمل قطاعات متنوعة من المتعلِّمين وأنصاف المثقفين.. وبات البعض يتحدث عن «الدولة العميقة» التي تحكم البشريّة، وعن أولئك الكبار الذين يمتلئون ثراءً وقوةً.. ويديرون «أيديولوجيا الغموض».

إنهم- حسب الخرافة السائدة – يديرون العالم عبْر نظاراتهم السوداء، وسياراتهم الفارهة.. ومخابئ اجتماعاتهم التي تحيطها حراساتٌ أسطورية وأسوار إلكترونية.. حيث لا يمكن لأحدٍ أن يعرِفَ أو يقتَرِب.

( 2 )

ثمة كتب ومقالات، وبرامج ومواقع.. كلها تروِّج لهذه الخرافة.. حتى تمدَّدت عقيدة «اللا حيلة» و«اللا إرادة» و«اللا قدرة» في مواجهة أناسٍ لا قِبَل لنا بهم، ولا طاقة لنا عليهم. وعلى الرغم من أن الدين الإسلامى يقوم على التوحيد، وعلى نزع المشيئة من غير الله، وعلى استحالة أن يملك أحد من البشر أو كل البشر مجتمعين قدرةً واحدةً من قدرات الله.. إلا أن ملايين المسلمين أصبحوا مؤمنين بقدرة هؤلاء الكبار الغامضين على تحديد مسار العالم وتقرير مصير البشر.

( 3 )

لم يدرك أحدٌ من المؤمنين بخرافة الحكومة الخفيّة للكوكب.. أنه بذلك قد يدخل في دائرة الشرك بالله.. ذلك أنَّه يُشرِك مع الله في مُلكِه حفنةً من البشر، وأنّه يؤمن بأن بعض مُلكِ الله ليس لله.. وأن مصائر الأرض قد تم اختطافها من خالقها لصالح مجموعة من الأثرياء الذين انتزعوا لأنفسهم إدارة الحياة الدنيا!

( 4 )

تتحدث خرافة الحكومة السرية للعالم.. عن المحفل الماسونى الذي يدير الكون، وعن جماعة الجماجم والعظام، وجمعية الحديقة البوهيمية، ونادى بيلدربيرج.. وعن الـ (13) عائلة التي تحكم القارات الستّ.

إنها خرافة تأسيس عقيدة جديدة: آلهةٌ مع الله!

وحين انعقد اجتماع بيلدربيرج في ألمانيا يونيو 2016.. كتب كثيرون عن الشبهات وراء الاجتماع الذي يضم الحكومة السرية للعالم: لماذا كان الاجتماع سريًّا؟.. لماذا تمّ إعلان منطقة الاجتماع منطقةً مغلقةً؟.. ولماذا كان هناك (400) رجل شرطة في حماية الاجتماع؟.. ولماذا تمّ منع الإعلام من الدخول أو التغطية؟.. ولماذا حضر كل هؤلاء الكبار اجتماعًا سريًّا: رئيس CIA السابق وهنرى كيسنجر وهيلارى كلينتون وجون كيرى، ووزير الدفاع الألمانى، ونجم المال الأمريكى روكفلر، ورئيس المخابرات البريطانية السابق، ورئيس بورصة فرانكفورت.. ورؤساء شركات سيمنز وإيرباص وأكبر شركة تأمين في العالم؟

ثم توالت التحليلات: إن اجتماع أمثال هؤلاء في أول مرة بنادى بيلدربيرج في عام 1954.. قد قرر تأسيس الاتحاد الأوروبى.. وهو الاجتماع الذي تقرر فيه تأسيس «فكرة الغرب».. من أوروبا وأمريكا الشمالية.. وتحدث آخرون عن اجتماع عام 2002 الذي تم فيه اتخاذ قرار غزو العراق.. وعن أن جميع أحداث العالم هي من صنع هؤلاء.

( 5 )

لا تخضع التحليلات السابقة لعِلم السياسة، كما أنّها لا تخضع لأىّ منهج علمى في البحث والتحليل، ولا تعدو أن تكون مجرد تعبير عن قلق أو استياء.. ولا تزيد.

الحقيقة ببساطة أن هناك صراعًا دوليًا على الثروة والنفوذ.. وأن هذا الصراع- ببساطة أيضًا- ليس وليد العالم المعاصر.. بل أساس فلسفة التاريخ وحركة العالم.

الحقيقة أيضًا.. أن الدول والأحلاف تعتمد أُطُرًا سريّةً في العمل إلى جوار الأطر العلنية، وأن الأطر السريّة هي أساس عمل أجهزة الاستخبارات.. وليس في هذا أيُّ مفاجأة تستدعى الانبهار أو التأويل.

والحقيقة الثالثة.. أن الحكومات والمخابرات لا تعمل وحدها.. وإنما تعمل بمساندة مجتمعية واسعة.. وأولى تلك المساندات وأعظمها وأقواها هي مساندة النخبة. النخبة هي عماد المجتمعات الحديثة.. وإذا ما كانت نخبةً متميزةً ومسؤولة.. كان ذلك من حظ الدولة، وإذا ما كانت النخبة فاشلة وحاقدة وجاهلة.. فإنه لا أمل في حكومةٍ أو سلطة.

والحقيقة الرابعة أن النخبة الغربية بعد الحرب العالمية الثانية أدركت أنه ينبغي ألا تترك صناعة واتخاذ القرار للساسة المنتخبين وحدهم وإنما يتوجب أن يكون هناك دور حاسم للجامعات ومراكز الدراسات ومؤسسات البحث وأصحاب العقول والاموال.

إن هذه النخبة هي التي اجتمعت وهي التي قررتأن بتحالف الغرب عبر الأطلسي، وأن يتأسس الاتحاد الأوروبي..وهي أيضا النخبة المجرمة التي دفعت إلى حروب وصراعات وقادت إلى غزو الشعوب من بغداد إلى فيتنام.

والحقيقة الخامسة .. لا توجد أي مفاجأة في أن يعمل هؤلاء الكبار الواضحون والكبار الغامضون من أجل تحقيق مصالح بلادهم والإضرار بمصالح البلدان الأخرى، ودفعها لحافة الهاوية.

والحقيقة السادسة.. لا توجد حكومة سرية واحدة للعالم.. بل هناك عدد من الحكومات السرية المتصارعة والمتصادمة، وتتألف هذه الحكومات السرية من أجهزة الاستخبارات ومجموعات النخبة.

والحقيقة السابعة.. يدرك تلاميذ المرحلة الابتدائية أن العالم يشهد الآن انقساما واسعا بين الولايات المتحدة وأوروبا وبين روسيا والصين، وان هذا الانقسام قد يصل إلى حد الانفلات، ويتحدث خبراء راسخون في العلم عن احتمالات حرب عالمية ثالثة.

أين هي إذن تلك الحكومة السرية التي تدير العالم بكامله، ولماذا لم تستطع تلك الحكومة المزعومة وقف التحدي الصيني والخطر الروسي؟، ببساطة لا يوجد حكومة سرية للعالم، يوجد أذكياء وأغبياء، توجد نخب قادرة ونخب فاشلة، توجد حكومات باهرة، وحكومات تافهة، يوجد تحالف العلم والمعرفة، ويوجد تحالف عديمي الموهبة، يوجد تحالف التخطيط والرؤية، ويوجد تحالف الفساد والفوضى، الله وحده من يملك إدارة هذا الكون، والأغبياء فقط من يتصورون أن مصائرنا بأيدي الآخرين، وان الإفلات في عداد المستحيل، الأغبياء فقط هم من يخترعون الأشباح لإخافة أنفسهم، ويختلقون الاوهام لتبرير الوهن والفشل، اليأس خيانة، والأمل وطن، حفظ الله الجيش، حفظ الله مصر.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق