اخبار اليوم الغلطة فين؟

0 تعليق 6 ارسل لصديق نسخة للطباعة

هناك دول جاذبة فى كل شىء. ولكل الفئات. جاذبة للمتفوقين. للموهوبين. للمستثمرين. للمغامرين. للسائحين. تستقبل الجميع من كل حدب وصوب. دول يسمونها أرض الأحلام. أو العالم الجديد. تماما مثلما أطلقوا على أمريكا. بعد أن اُكتشفت. بعد أن صارت كعبة الحالمين. فتحت أبوابها لكل المهاجرين. منحت الفرصة لكل من يريدها. لكل من يسعى لها. لم تفرق بين أحد. من قصدوها انطلقوا. أبدعوا. حققوا طفرة كبيرة. أمريكا اليوم القوة الكبرى فى العالم. بفضل هؤلاء المهاجرين. بفضل التنوع والتعدد.

هل تعلمون أن مصر كانت يوما أرض الأحلام؟ ذلك فى بداية القرن العشرين. هذه حقيقة ثابتة. صور المهاجرين من أوروبا أو ما بينها وهم قادمون إلى بورسعيد والإسكندرية ما زالت موجودة. شاهد عيان. فى هذا الوقت كانت مصر بالنسبة لهم بلد الفرصة. انصهروا فى المجتمع المصرى. عاشوا بين أهله. حتى وصلوا إلى عمق الريف. لم يلفظهم مصرى. لم يطردهم. احتضنهم وتعامل معهم. اشتغلوا بالتجارة. عملوا فى جميع المهن والوظائف. نجحوا. استفادوا وأفادوا.

اليهود كانوا آمنين فى مصر. فى أرزاقهم. فى تجارتهم. على أنفسهم. حتى بعد حرب 48. لم يدم الأمر كثيرا. حتى جاء عام 52. أصبحنا مجتمعا طاردا لليهود. ولكل أجنبى. انتهينا من كل هؤلاء بنهاية 56. بعدها أصبحنا مجتمعا طاردا للمستثمرين جميعا عام 61. بالحراسات والتأميمات. غيرت المراكب وجهتها. لم تعد تحمل قادمين إلى مصر. أصبحت تحمل الفارين منها. الهاربين. تقذفهم خلسة على شواطئ أوروبا. كيف حدث هذا الانقلاب؟ كيف تحولت مصر من دولة جاذبة إلى بلد طارد لكل شىء. للبشر وللاستثمار؟

فى مذكراته التى كتبها بالفرنسية ونقلت للعربية. يقول أول رئيس نظار- هكذا كان يطلق على رئيس الوزراء، نوبار باشا، الأرمنى الأصل. الذى عيّناه بلا عُقد. لأن المعيار كان الكفاءة ولا شىء غيرها: «مصر كانت تفتح أبوابها للجميع. دون تمييز من أى نوع». لم يكن المعيار ألقاباً أو رتباً.

حكى فى مذكراته تلك عن واقع يدلل به على صحة كلامه. قال إنه لما توفى خاله بوغوص بك. وكان أول من تولى وزارتى الخارجية والتجارة. أرسل محمد على خطابا لحاكم الإسكندرية. طلب منه تشييع بوغوص بك فى جنازة عسكرية. طلب دفنه فى مقبرة خاصة. لكن حاكم الإسكندرية خالف تعليمات الباشا. لم يقم الجنازة العسكرية. دفنه فى مقابر الصدقة الخاصة بأهل الذمة. علم محمد على بما حدث. ذهب بنفسه إلى الإسكندرية. توجه مباشرة إلى مقر الحاكم. سأله: لماذا خالفت التعليمات؟ فرد عليه قائلا: «بوغوص بك كافر. ليس مسلما». ذلك الرد أغضب محمد على. قال للحاكم: «الكافر هو من يعصى أوامرى. بوغوص خدم الدولة. أخلص فى خدمتها». ثم أمر محمد على بجلد الحاكم وعزله من منصبه. أمر بإقامة مقبرة تليق بـ«بوغوص بك». شيعه من جديد فى جنازة عسكرية. ما زال قبره شاهدا على هذه الواقعة حتى الآن.

هكذا بدأت النهضة فى مصر. هكذا وضع محمد على أسس الحداثة. هكذا كانت أم الدنيا قبلة للحالمين. صحيح لم تعد كذلك منذ عقود طويلة. لكنى مازلت أسأل: كيف ذاك البلد أمسى طارداً؟

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق