اخبار اليوم .. وماذا عن الحبس الاحتياطي؟!

0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة

انفجرت القاعة بالتصفيق حين أعلن الرئيس السيسي تشكيل لجنة لمراجعة قانون التظاهر. القانون حاضر دائماً في أي محفل يتناول من قريب أو بعيد الحقوق والحريات. ليست المرة الأولى التي تظهر فيها مبادرة رئاسية كتلك، سواء فيما يخص التظاهر، أو مراجعة أوضاع الشباب المحبوسين، الذين اعترف الرئيس شخصياً قبل ذلك أن في السجون كثيرا من المظلومين.

يسرق قانون التظاهر الكاميرا دائماً، وهذا أمر طبيعى بالنسبة لمجتمع نجح بالتظاهر في إشعال ثورتين، وانشغل بالفعل الاحتجاجى طوال هذه السنوات، لكن ما أعتقده أن المشكلة الكبرى في الملف الحقوقى لمصر حاليا ليس قانون التظاهر، وإنما تعديلات قانون الإجراءات الجنائية الخاص بمواد الحبس الاحتياطى.

في سبتمبر من العام 2013 أصدر الرئيس المؤقت وقتها المستشار عدلى منصور تعديلات سمحت بفتح مدد الحبس الاحتياطى، والسماح للنيابة العامة وقضاة التحقيق والمحاكم بإيداع «متهمين لم تثبت إدانتهم» السجون دون حدود قصوى في الجرائم التي تكون عقوبتها الإعدام والمؤبد.

قبل هذه التعديلات كان الحد الأقصى لفترات الحبس الاحتياطي، بحسب المادة 143 من القانون، يقدر بعامين في القضايا التي تصل عقوبتها للإعدام أو السجن المؤبد، و18 شهرا في القضايا التي تكون عقوبتها دون ذلك، وستة أشهر في الجنح.

لكن ما جرى بعد ذلك من ممارسات استندت لتلك التعديلات، جعل «الحبس الاحتياطى» عقوبة قاسية يجرى تنفيذها على المتهم من قبل التثبت من إدانته في الاتهامات الموجهة إليه.

عندما تبدأ لجنة مراجعة أوضاع المحبوسين التي سيشكلها السيسي كنتيجة لمؤتمر شرم الشيخ، الأرجح أنها ستجد أمامها عدداً ضخماً من السجناء المحبوسين على ذمة قضايا، ليسوا مدانين وإنما يقضون عقوبات، بعضهم يقبع في زنزانته لمدة 500 يوم و600 يوم وأقل من ذلك أو أكثر، دون حكم قضائى واحد، وإنما مدد حبس تتجدد جلسة تحقيق بعد أخرى، حتى يجد المتهم نفسه وقد قضى عامين أو ثلاثة من عمره دون حكم قضائى.

ليس عندى مشكلة في عقاب أي متهم تثبت إدانته، بتحقيقات وإحالات ومحاكمات ناجزة، لكن ماذا عن آلاف المتهمين الذين تظهر براءتهم بعد «مرمطة» في الحبس الاحتياطى؟ وماذا عن آخرين خرجوا من محبسهم بعد عامين أو أكثر أو أقل بقرار إخلاء سبيل لا أحد يعرف سبباً معلناً له، كما لم يعرف أحد سبباً معلناً لحبسه من البداية واحتجازه لعامين دون محاكمة.

كل المظالم التي يعتقد السيسى شخصياً قبل أي مواطن لديه «ضمير» أنها موجودة في السجون، ليست بسبب قانون التظاهر الذي يستحق التعديل لاشك لينظم للمواطنين حقهم في التظاهر، لا أن يحرمهم من هذا الحق، لكن المظالم تلك بسبب التوسع في الحبس الاحتياطى، واستخدامه كبديل لقرارات الإعتقال التي كان نظام مبارك يستخدمها.

هذا اعتقال إذن يُستخدم فيه القضاء، وهذه أعوام تضيع هدراً من أعمار شباب صغار، لا محاكمات أدانتهم ولا قضاة جزموا بتورطهم في جرائم، ما يجعل وضع ضمانات تشريعية للمتهمين أمرا حتميا «لو كان هناك نية صادقة في الإصلاح»، بما يضمن ألا يكون الحبس الاحتياطى عقوبة، وبما يسمح للنيابة العامة وقضاة التحقيق والمنصة، باستخدام بدائل أكثر إنسانية، تسمح للتحقيقات والمحاكمات بأن تجرى بمرونة دون تقييد المتهمين باحتجاز، والسماح لهم كالعالم كله بالذهاب إلى جلسات التحقيق والمحاكمة والعودة لمنازلهم، حتى تصدر أحكام تسمح بإيداعهم السجون تنفيذا لعقوبة أو تبرئتهم.

لا أعتقد أن كل المتهمين المحبوسين احتياطياً في مصر من أولئك الخطرين الذين يُخشى من إطلاق سراحهم، ربما يعبثون في ملفات أو أدلة أو يؤثرون على شهود، أو يهربون خارج البلاد، حتى يعاملون بهذا التشدد. لكن رغم ذلك هناك بدائل أمام النيابة في إلزام المتهمين منازلهم، أو منعهم من مغادرة مناطق معينة، وحظر دخولهم مناطق معينة، وكلها بدائل قانونية.

أي تعديل لقانون التظاهر أو أي قانون آخر يمس الحقوق والحريات لا قيمة له، طالما سيف الحبس الاحتياطى على الرقاب دون ضابط من قانون أو منطق، وتلك الضوابط هي التي تستحق النضال من أجلها، وتستحق التصفيق الحار كذلك لو أعلنها الرئيس الذي يقول إنه يعلم بالمظالم، ويبدو ساعياً لتخفيف الاحتقان مع شباب مصر.

أن تكون متهماً لا يعنى أنك مجرم مدان.. لكن ما قيمة هذا الفارق الشاسع قانونياً بين المتهم والمدان إذا قضيت أعواماً محبوساً على ذمة قضية؟!

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق