اخبار اليوم الابتلاء بالسلطان.. وبصحبته

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

■ «إذا ابتليت بالسلطان فتعوذ (استعن) بالعلماء».

بتلك العبارة يفتتح الأديب «عبدالله ابن المقفع» كتابه «الأدب الكبير»، ذلك الكتاب الذى يحتوى على تراث من الأقوال والحكم والنصائح الفارسية، ترجمها وعرّبها ابن المقفع بأسلوبه المتميز الذى جعلها وكأنها أدب عربى خالص. مثلما هو الحال فيما فعله مع رائعته الأشهر «كليلة ودمنة».

يتكون الكتاب من جزأين، الجزء الأول يتناول «آداب السلطان»، والجزء الثانى يتناول «الرعية». والمقصود من لفظة «سلطان» فى زمن «ابن المقفع» (القرن الرابع الميلادى- الثانى الهجرى)ـ كما يقول محقق الكتاب «أحمد زكى باشا»- لا تدل على المعنى المعروف فى أيامنا هذه (١٩١١)، بل تدل فقط على السلطة وولاة أمور الناس وتدبير أمور الجمهور، ثم أطلقت على كل إنسان يتولى شيئا من أعمال الحكومة، فهى عند المتقدمين بمعنى الوالى والحاكم وصاحب الأمر.

ومن «الأدب الكبير» نقتطف ما نقلناه، بشىء من التصرف اليسير، فى قليل من الكلمات والألفاظ التى قد تستغلق على بعض الأفهام، مع استخدام مترادفات مطابقة للمعنى المراد.

■ «إياك- إن كنت والياًـ أن يكون من شأنك حب المدح والتزكية، وأن يعرف عنك الناس ذلك، فتكون تلك ثغرة ينفذون منها إليك، وباباً لاغتيابك والسخرية منك».

إنك إن تلتمس رضا الجميع تلتمس ما لا يدرك.

لتعرف رعيتك أبوابك التى لا ينال ما عندك من خير إلا بها، والأبواب التى لا يخافك خائف إلا قبلها.

عوّد نفسك الصبر على من خالفك من ذوى النصيحة، والتجرع لمرارة قولهم وعذلهم (لومهم)، ولا تسهلن سبيل ذلك إلا لأهل العقل والمروءة، لئلا ينتشر من ذلك ما يجترئ به سفيه أو يستخف به شانئ (كاره).

اعلم أن مالك لا يغنى الناس كلهم فاخصص به أهل الحق، وأن كرامتك لا تطيق العامة، كلها فتوّخ بها أهل الفضل، وإن قلبك لا يتسع لكل شىء، ففرغه للمهم.

واعلم أن ما شغلت من رأيك بغير المهم انتقص، من قدر رأيك فى المهم، وما صرفت من مالك فى الباطل فقدته حين تريده للحق.

اعلم أن من الناس من يغضب، فيحمله غضبه على الكلوح والقطوب (التكشير) فى وجه من لم يغضبه، وسوء اللفظ لمن لا ذنب له، وشدة المعاقبة باللسان وباليد لمن ليس بمنزلة ذلك عنده، ويعطى من لم يكن يريد إعطاءه، ويكرم من لم يرد إكرامه ولا حق له. فاحذر كل الحذر من هذا الباب فإنه ليس أسوأ من أهل السلطان الذين يفرطون باقتدارهم فى غضبهم وبتسرعهم فى رضاهم.

لا تكونن نزر الكلام والسلام، ولا تبلغن بهما فرط الهشاشة والبشاشة، فإن إحداهما من الكبر والأخرى من السخف.

ليتفقد الوالى فاقة (فقر وحاجة) الأخيار والعامة من رعيته، وليعمل على سدها، وليقمع طغيان السفلة منهم، وليحذر من الكريم الجائع واللئيم الشبعان، فإنما يعتدى الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع.

لا يحسدن الوالى من هم دونه، فإنه أقل فى ذلك عذراً من السوقة، التى إنما تحسد من فوقها، وكل لا عذر له.

على الوالى أن يتثبت عندما يقول وعندما يعطى وعندما يعمل. فإن الرجوع عن الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام، وإن العطية بعد المنع أجمل من المنع بعد الإعطاء، وإن الإقدام على العمل، بعد التأنى فيه، أحسن من الإمساك عنه بعد الإقدام عليه.

وفى تحذير مصاحب السلطان من أن يغتر باستئناسه يقول:

إن ابتليت بصحبة السلطان، فعليك بطول المواظبة، فى غير معاتبة، ولا يحدثن لك الاستئناس به غفلة وتهاونا.

إذا رأيت السلطان يجعلك أخاً، فاجعله أباً، ثم إن زادك فزده.

إذا أردت أن يقبل السلطان قولك فلا تخلطه بشىء من الهوى، فإن الرأى الصحيح يقبله منك العدو، والهوى يرده عليك الولد والصديق. والولاة يرون خلط الرأى بالهوى، خديعة وخيانة وكفرا.

إذا سأل الوالى غيرك، فلا تكونن أنت المجيب عنه، فإن استلابك الكلام خفة بك واستخفاف منك بالمسؤول والسائل.

إذا لم يقصد السائل فى المسألة لرجل واحد، وعم بها جماعة، فلا تبادر بالجواب، ولا تسابق الجلساء.. فإنك إذا سبقت للكلام صاروا لكلامك خصماء، فتعقبوه بالعيب والطعن، وإذا أنت لم تعجل بالجواب وتركته للقوم سمعت أقاويلهم، ثم تدبرتها وفكرت فيما عندك، ثم هيأت من تفكيرك ومحاسن ما سمعت جوابا حسنا.

إن صيانة القول خير من سوء وضعه، وإن كلمة واحدة من الصواب تصيب موضعها خير من مائة كلمة تقولها فى غير فرصها ومواضعها. وإن كلام العجلة والبدار موكل به الزلل وسوء التقدير، وإن ظن صاحبه أنه قد أتقن وأحكم.

تحرز من سكر السلطان، وسكر المال، وسكر العلم، وسكر المنزلة، وسكر الشباب، فإنه ليس من هذا شىء إلا وهو ريح جنة تسلب العقل، وتذهب بالوقار، وتصرف القلب والسمع والبصر واللسان إلى غير المنافع.

لا تكون صحبتك للملوك إلا بعد ترويض نفسك على طاعتهم فى المكروه عندك، وموافقتهم فيما خالفك، وتقدير الأمور على أهوائهم دون هواك.. والتصديق لمقالتهم، والتزيين لرأيهم، وقلة الاستقباح لما فعلوا إذا أساءوا، وحسن الستر لمساوئهم، والتقرب لمن قاربوا وإن كانوا بعداء، والبعد عمن باعدوا ولو كانوا أقرباء.

إنك لا تأمن تقزز الملوك إن علمتهم، ولا تأمن عقوبتهم إن كتمتهم، ولا تأمن غضبتهم إن صدقتهم... وإنك إن لزمتهم لم تأمن تبرمهم بك، وإن فارقتهم لم تأمن عقابهم.

وعلى الرغم من كل النصائح والتحذيرات التى وجهها «ابن المقفع» للولاة والرعية، فيبدو أنه لم يعمل بها، إذ كاد له والى البصرة، واتهمه بالزندقة، وقد قطعت أطرافه لتشوى فى النار أمامه ويقتل تعذيباً وهو لم يجاوز منتصف الثلاثينيات من العمر.

يقول «ابن المقفع» لقاتله قبل أن تفارق روحه بقايا جسده: «إذا مــــات مثلى، مـــات بموتــــه خـــــــلق كثير، وأنت تموت ليس يدرى بموتك كبير ولا صغير».

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق