اخبار اليوم الإخوان والسلطة: جدلية العصا والراعى

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

جماعة حسن البنا منذ ظهورها فى 1928 فى الإسماعيلية وحتى اقتلاعها من المشهد المصرى فى 2013، كانت عصا بيد الراعى، سواء كان ذلك الراعى هو الملك فؤاد أو الرئيس مبارك. لكن العصا أرادت أكثر من مرة أن تمسك هى بالراعى وتقوده. وفى كل مرة كان الراعى يكسرها ويرميها بعيدا، ثم يعود لالتقاطها وتجميع شظاياها.

وافق فؤاد الأول على الصعود بالجماعة من المستوى المحلى إلى المستوى الوطنى، عندما كان مشغولا هو وبلاطه بإحباط محاولات عباس حلمى الثانى للعودة للحكم، وليس لمساندة طموحه لخلافة لم يكن جادا فى السعى وراء سرابها الخادع. وكان من أعوان فؤاد ضد عباس إسلاميون لهم قيمتهم مثل حسن نشأت وأمين الخولى، لكن حركية حسن البنا وشعبويته أعطتاه ميزات لم تكن لغيره. وبعد أن باع عباس حقه فى العرش لفؤاد بأقل من أربعين ألف جنيه، صارت للجماعة استخدامات أخرى ضد التعددية عموما، وضد الوفد بشكل خاص.

ثم اضطر القصر الملكى فى عهد فاروق لحل الجماعة- كسر الراعى عصاه- عندما اغتال قائد تنظيمها السرى، عبدالرحمن السندى، القاضى الخازندار، بدون أوامر من البنا. وفزع البنا بعد اغتيال الخازندار، وتساءل: «ماذا أقول لحسن بيه الهضيبى؟».. لماذا الهضيبى الذى لم يكن قد انضم للجماعة بعد؟ أجابنى عن هذا السؤال المهندس أبوالعلا ماضى قبل سنوات طويلة، قائلا: كان الهضيبى واحدا ممن يستشيرهم الأستاذ البنا فى أمور الجماعة.

من تلك اللحظة اتجهت شكوكى (وأنا صحفى لا أكاديمى) إلى أن الهضيبى كان ضابط اتصال مجموعة من الكبار، اعتبرتُ أنهم يُهيمنون على البنا. وربطت ذلك بمساندة بعضهم له فى تحقيقات النيابة فى مقتل الخازندار، وبما قيل عن انتماء ثلاثة منهم إلى تنظيم سرى مسلح فى نهايات الدولة العثمانية، هم: محمد صالح حرب، وعبدالرحمن عزام، وربما أيضا أمين الحسينى. وكان اسم التنظيم بالتركية «تشكيلاتى مخصوصا»، وتعنى بالعربية «النظام الخاص»، وهو اسم تنظيم الجماعة السرى، الذى قال البنا نفسه إنه حقيقة الجماعة.

وفى أوائل عهد الجمهورية، أصبح للإخوان شأن كبير، لأسباب منها أن «ناصر» المكيافيللى حرص على احتواء الإخوان والشيوعيين فى إطار يتجاوز الفريقين، ومنها أن الرطانات السلفية فى خطاب «ناصر» أوهمت مرشدهم بأنه قادر على فرض وصايته على الدولة الوليدة، فرفض «ناصر» وتفاقم الخلاف بينهما.

ومشكلة «ناصر» أنه بعد أن رفض وصاية الهضيبى، وهى الصورة المصرية المبكرة من «ولاية الفقيه»، مضى بنا إلى «ولاية الجندى»، التى راح يعززها برطانات سلفية عمّقت لدى الإخوان الاعتقاد بأنهم الأَوْلى بالحكم، خاصة أن حسن البنا مثل ديفيد بن جوريون، كلاهما صورة من ليون تروتسكى «النبى المسلح» (النبى الزائف). ولابد أن تضع هذه التشابكات نصب عينيك وأنت تقرأ (على النت) كتاب «النبى والبروليتاريا» لتروتسكى الشهير كريس هارمان، الذى مات فى القاهرة (2009) وهو يجهز للأحداث التى انفجرت فى 2011.

فالمشروع الناصرى تميز بأنه تطلع للتمصير ولتمكين قاعدة الطبقات الوسطى من الأفندية، أصحاب الخبرة الفنية من الكوادر المحلية العسكرية والمدنية (التكنوقراط) على حساب طبقة الباشوات ومحترفى السياسة والمتمصرين، وأسس موقفاً لم يسبقه إليه أحد فى تاريخ المسلمين، بتبنِّيه عدم الانحياز، ليحرر العقل المسلم من فكرة تقسيم لدار حرب ودار سلام.

على الرغم من هذا كله، فربما كان ممكنا أن يبقى خلاف المرشد المهزوز حسن الهضيبى مع «ناصر» محدودا، لولا أن زعامته للجماعة كانت مرفوضة من داخلها، فوقع الانشقاق الذى قد يكون صديق «ناصر»، وهو السندى الذى سبق له قتل الخازندار، ساعد على تفاقمه. وفى هذه الظروف وقع حادث المنشية.

ومرة أخرى، تمردت العصا على الراعى، فكسرها ورماها بعيدا.. ولكن إلى حين. فقد عاد الراعى لالتقاط العصا بعد ذلك، ثم تعاظم دور العصا فظنت أنها قادرة على لعب دور الراعى، فتعين عليه أن يكسرها ويلقى بها بعيدا. فهل ألقى بها الراعى، هذه المرة، فى المحرقة؟

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق