اخبار اليوم القاهرة فى منتصف القرن التاسع عشر (6)

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

يشاهد من يمر بالشارع الرئيسى للمدينة من الشمال إلى الجنوب عدداً من أجمل مساجد القاهرة، أولها «البرقوقية»، ذلك الجامع المدرسة الذى يحتل جزءاً من موقع القصر الفاطمى الصغير، الذى عفت آثاره فى الوقت الحالى. بُنى هذا الجامع سنة 786هـ/1384-1385م، بواسطة السلطان برقوق. به قبة جميلة ومئذنة سامقة غاية فى الروعة، أما فى الداخل فقد زُين بالكثير من الرخام المُطعم، وشُكلت أرضيته بألواح الرخام والجرانيت المتفردة فى جمالها.

يجاور جامع البرقوقية تقريباً ضريح ومدرسة ومارستان السلطان قلاوون، والتى تُشكل جميعها بناءً واحداً، وتعد أيضاً جزءاً من موقع القصر الصغير. ولقد تم بناء هذه المجموعة بواسطة الملك المنصور قلاوون سنة 683هـ/1284-1285م. كان يُطلق على المدفن فى السابق «القبة المنصورية»، وعلى المسجد «المدرسة المنصورية»، أما المشفى فيطلق عليه «المارستان» (بالعامية مورستان). المدخل الرئيسى لهذا المبنى يقابل سوق النحاسين. والممر الذى يصل بين المدفن والمسجد يقود إلى المارستان الذى يقع خلفهما، وبه أيضاً طريق مفتوح للعامة. يقع المدفن على يمين الممر الرئيسى المذكور، وقد بُنى من الحجر مثل الجامع والمارستان، وتم طلاؤه من الخارج على شكل مربعات باللونين الأبيض والأحمر، كما كان مخططاً له.

يعد المارستان (المشفى) أكثر اتساعاً من المسجدين (يقصد المؤلف الجامع والضريح). لقد تم نقل المرضى، فضلاً عن المجانين الذين كانوا مُحتجزين فيه إلى مشفى أفضل يقع فى الحى الإفرنجى من المدينة، ولكن باعتبار أنه يظل المشفى الأول الذى بنى فى القاهرة فهو يستحق الوصف. خلف مكان الضريح مباشرة يقع فناءان يحيط بهما حجرات معدة للمرضى العقليين- الفناء الأول للرجال والثانى للسيدات. أولهما (هو الوحيد الذى يُسمح للرجال برؤيته) مستطيل الشكل، تحيط به سبع عشرة حجرة، كل منها حوالى سبعة أو ثمانية أقدام مربعة بها نافذة ذات سياج. وكان المعتاد لكل زائر أن يأخذ معه بعض كعك الخبز (القُرص التى نعرفها الآن) لتوزيعها على مرضى العقول، الذين ما إن يروا دخول أحد الغرباء حتى يقوموا بالكثير من الصخب. وعندما يُعرض الخبز على الكثير منهم لا يقومون بتناوله أو أخذه وإنما يطرحوه أرضاً، وذلك بسبب وفرة ما يتناولونه من طعام، ومع ذلك كانت إقامتهم شديدة البؤس، إذ كانوا يُربطون إلى الجدار من رقابهم بالسلاسل، فى حين لا يتوفر لديهم سوى القش للنوم عليه، والقليل من الملابس. وهناك حوض صغير يقع فى الفناء. ويوجد وسط المارستان فناء كبير، بكل جانب من جوانبه صف من الأعمدة، ومصلى صغير فى المنتصف. وحول ذلك تقع المساكن التى يودع بها المرضى، وكلها تقع بالطابق الأرضى. ويستطيع هذا المارستان استيعاب أكثر من مائة مريض ومجنون، كان الكثير منهم فى السابق يعانون من الرمد بشكل عام. أما طعامهم فكان الخبز والعدس والأرز واللحم، وكان الطبيب (وهو حلاق سابق) يقيم فى المارستان. وكان من بين أعضاء هذه المؤسسة فى الأصل العديد من الموسيقيين، الذين كانوا مختصين بالعمل على تهدئة المرضى بواسطة العزف والغناء الموسيقى.

لاحظ أيها القارئ الكريم كيف كنا نتعامل مع المرضى العقليين بالرعاية الطبية والإعاشة والمساعدة على التأقلم بالموسيقى فى الوقت الذى كانت فيه أوروبا تحكم على المرضى العقليين بالموت حرقا أو إعداما مع أصحاب العاهات، إذ كانوا يتخلصون من العميان باعتبار أن الشيطان هو الذى أعماهم.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق