اخبار اليوم الحرباية والثعلب.. والجونة

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

جرى «مراد» الجواهرجى خلف الكلب وهو يصيح.. أمسكوه.. أمسكوه.. وأخيرا أمسك به فى منتصف الشارع. وهو يصيح رافعا أصبعا ينزف دما.. كلب مين ده؟.. وتجمهر الناس، متحلقين حول المصاب. فى تلك الأثناء، كان الضابط «سعيد وجدى» مصطحبا أحد العساكر، يتفقد المنطقة فى مهمة روتينية.. اقتحم الضابط موقع الحدث صارخا: «سكوت منك له فيه إيه؟».. سكت الجميع وأجاب «الجواهرجى»، وهو يرفع أصبعه الدامى، ويمسك بالكلب باليد الأخرى: «يا حضرة الضابط إنهم يطلقون كلابهم الشرسة بلا عناية.. وهذا الكلب عض صباعى كما ترى، ولابد أن هذا الجرح سوف يعوقنى عن العمل لمدة أسبوع.. فلابد أن يدفع لى صاحب هذا الكلب تعويضا مناسبا.. عايز حقى». وهنا صاح الضابط فى الجمع: «دى فوضى.. كلاب مطلوقة تعض الناس.. لن أسمح بذلك.. كلب مَن هذا؟».. وهنا يجيب بتردد أحد المتحلقين فى المكان: «أعتقد أنه كلب سيادة اللواء (محسن باشا)، وبيته هناك.. فى آخر الشارع». وهنا يتنحنح الضابط، ويتمتم.. ويقول للمواطن المصاب: «ألاحظ أنك طويل القامة.. فكيف يمكن لهذا الكلب أن يطول إصبعك ليعضه؟.. أرنى صباعك».. (يتفحصه)، ثم يقول:

«يبدو أنك جرحت نفسك بمسمار أو شىء من هذا القبيل.. حركة ماكرة للحصول على تعويض.. ثم إن هذا الكلب يبدو عليه الوداعة والتهذيب..». وهنا يصيح أحد من الجمهور: «الكلب عضه علشان كان بيعذبه.. ويطفى السجاير فى راسه».. ويرد «مراد» الجواهرجى: «كذاب.. حتى أنا لا أدخن السجاير». وهنا صاح صوت: «لحظة.. انتظروا.. أنا شايف عم حسن، طباخ سيادة اللوا، جاى ناحيتنا.. نسأله».. اقترب الطباخ من الجمع، وهنا سأله الضابط: هل هذا كلب سيادة اللواء «محسن باشا»؟.. وهنا رد الطباخ: «لا.. سيادة اللواء لا يحب هذا النوع من الكلاب و..»، وهنا يقاطع الضابط: «كفى.. هذا كلب ضال شرس يجب أن يُعدم فورا.. كفاية فوضى». ولكن الطباخ استطرد: «ولكن يا حضرة الضابط، صحيح أن اللواء (محسن باشا) لا يحب هذا النوع من الكلاب، ولكن شقيقه سيادة اللواء (حسين باشا)- وقد وصل عندنا بالأمس- يحب هذا النوع من الكلاب، وهذا هو كلبه (عنتر)». وهنا يكح الضابط ويهمهم ويغمغم، ثم يقول للطباخ: «سيادة اللواء حسين باشا عندكم؟ بيزور أخوه؟.. شىء عظيم.. ونعم الإخوة..».. ثم تناول الكلب من المواطن برفق وأخذ يمسح بيده على رأسه وذيله، ويناوله للطباخ قائلا: «عليكم بالحرص فيما بعد.. (عنتر) نوع عظيم من الكلاب غالى الثمن.. وبلغ الباشا، سيادة اللواء، أنى أنا النقيب (سعيد وجدى)، عثرت عليه وأنقذته من براثن مجرم شرس».. واستدار الضابط مخاطبا الجواهرجى: «أما أنت أيها الكاذب فحسابك عسير».

■ إنها قصة «الحرباية The Chameleon»، إحدى القصص القصيرة للأديب الروسى الخالد، «تشيخوف»، (وقد مصّرناها تمصيرا بتصرف غير مخل، وبذات شخوصها). كتبها «تشيخوف» منذ ما يزيد على القرن وربع القرن، ولكنها مازالت تعيش بيننا، كما هو سمت الأدب العالمى الخالد. هى لقطة ساخرة ومعبرة عن واقع نوع من الناس، عابر لكل الأنظمة.

■ ومن أدب فرنسا القرن السابع عشر، يبدأ الكتاب السابع من حكايات «لافونتين» بنظم أشعار حكاية «بلاط الأسد». وفيها يدعو الأسد رعيته للقاء فى عرينه. وفى الميعاد المحدد، تتجمع الحيوانات فى بلاط ملك الغابة. الرائحة لا تُطاق داخل العرين، يدخل الدب، ويسد أنفه معربا عن اشمئزازه من تلك الرائحة الكريهة، فيلقى جزاءه بضربة من مخلب الأسد تُنهى اشمئزازه وحياته معا.

■ يستدير الأسد ناحية «القرد»، فينطلق «القرد» فى فاصل من المدح والإشادة بما فعله الأسد بالدب، وبقبضته العادلة، وبرائحة العرين الزكية كرائحة العنبر. يعبر الأسد عن استيائه من إفراط القرد فى المداهنة والنفاق والرياء، ويقرر عقابه.

■ يلتفت الأسد ناحية «الثعلب»، ويسأله عن رأيه فى رائحة المكان. يعتذر الثعلب عن عدم الإجابة، بحجة أن إصابته بالبرد الشديد و«الزكام» قد أفقدته حاسة الشم. وسلم الثعلب من كل سوء.

■ يُنهى «لافونتين» حكايته بنصيحة، وهى أن على مَن يؤثر السلامة أن يبتعد عن بلاط الحاكم، وعليه إن سُئل ألا يبالغ فى النفاق والمداهنة، وألا يبالغ أيضا فى قول الحق والصدق، وعليه أحيانا أن يجيب بلغة غير مفهومة.

■ ■ ■

■ سميح الجونة:

■ «سميح ساويرس» رجل من رجال التنمية أصحاب الرؤى المستقبلية الذكية غير التقليدية. أذكر أنه حينما بدأ مشروع «الجونة»، كنت أسمع تساؤلات عديدة محبطة وساخرة من بعض مَن هم معنيون بشؤون «البزنس» وحساباته، ومن أنصار «بزنس الفهلوة» و«البزنس السريع».

■ حلم الثروة.. حلم مشروع لكل فرد، ولكنه يكون حلما مشروعا ونبيلا أيضا حينما يُجدل مع أحلام الوطن.

■ وتمضى الأيام وينجح «سميح» فيما لم ينجح فيه أحد من «رجال الأعمال» قبله، أضاف للخريطة المصرية مدينة، ليست أى مدينة، بل مدينة نتباهى و«نتمنظر» بها أمام أصدقائنا الأجانب من كل جنس ولون.

■ «سميح ساويرس» مُقِلّ فى ظهوره الإعلامى، ولكن ظهوره القليل ظهور محبب إلى النفس، فيه صدق وقوة حجة واتزان وتواضع غير مصطنع، وفيه من الفوائد الكثير لمَن يريد أن يستفيد من رجال الحكم والإدارة، وأيضا لرجال الأعمال، ولمَن يرغب عليه أن يقرأ بتمعن حواره منذ أيام قليلة، فى «اليوم السابع».

■ من الواجب، بل من الحكمة، أن تكرم الدولة كل مَن يساهم فى رفع اسم عالميا، فى أى مجال كان.. علم.. فن.. رياضة.. وأيضا مجالات التنمية المختلفة، حتى إن لم ينتظروا ذلك التكريم، فالمغزى أبعد من إرضاء المكرمين.

■ «السوارسة»- المعجونون بتراب صعيد مصر- ربما يكون «سميح» أقلهم حظا من المال، ولكننى أعتقد أنه سوف يكون أكثرهم حظا من سطور التاريخ، وأخلدهم وأطولهم سيرة، بما أضافه من نموذج يُحتذى فى الجمال، ومقاومة القبح والزمن والتعبير العملى عن حب الوطن بالأفعال وبدون كلام.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق