اخر الاخبار اليونسكو لم تنكر علاقة اليهود بالقدس

0 تعليق 13 ارسل لصديق نسخة للطباعة

تصاعدت الحملة على منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) منذ أيام. أقول تصاعدت، لأنها في الواقع لم تتوقف منذ منتصف أبريل/ نيسان الماضي. ولأننا نشهد اليوم، كما سنرى في سياق هذا النص، واحدةً من مراحل معركةٍ مازالت في تصاعدٍ، أرجح أنه مستمر. لم يتغير اللاعبون، ولم يشهد محتواها تعديلاً يُذكر، وظلت الأسلحة المستخدمة هي الأسلحة نفسها التي تقتحم الميدان، في كل مرة يثارُ فيها الغبار، وهي هنا، بحسب وزير العلوم الإسرائيلي، عوفير أكونيس: صورة إسرائيل الضحية التي تواجه عدواناً مدبراً من الأمم المتحدة، وأن عليها العمل على "صد هذا الهجوم في أسرع وقت ممكن".
بدأت الجولة الحالية، قبل الجلسة الافتتاحية للمجلس التنفيذي (5 أكتوبر/ تشرين الأول 2016) بضغوطٍ مارستها الولايات المتحدة الأميركية وأصدقاؤها من أعضاء المجلس، لمعارضة مشروع القرار الذي أعدته كالعادة فلسطين والأردن (في اليونسكو كما في رام الله وعمّان)، بالتعاون مع المجموعة العربية التي ستقدمه باسمها. وقد أثّرت كثافة الضغوط، من غير ريب، على نتائج التصويت على مشروع القرار المتعلق بفلسطين المعنون بـ(فلسطين المحتلة) بشكل خاص، ودفع المديرة العامة لليونسكو، إيرينا بوكوفا، إلى إصدار تصريح صحفي، تتنصل فيه مواربةً من مشروع القرار.
"ظلت قرارات اليونسكو تنظر إلى كل الأراضي الفلسطينية التي احتلت في العام 1967، بما فيها القدس الشرقية، على أنها أراضٍ محتلة"

تصعيدٌ إسرائيلي معدٌّ سلفاً
عشية انفضاض أعمال الدورة 199 للمجلس التنفيذي لليونسكو، قبل ستة أشهر (في منتصف أبريل/ نيسان الماضي)، نعت رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قرار اليونسكو عن القدس بـأنه "قرار سخيف آخر"؛ وانتقد اليونسكو التي "تتجاهل العلاقة التاريخية الفريدة من نوعها القائمة بين الديانة اليهودية وجبل الهيكل"، مقرِ هَيكلي اليهودِ الإثنين، ومحط تطلعهم عبر آلاف السنين. بحسب نتنياهو، إذ تتنكر الأمم المتحدة لتاريخ اليهود، فهي "تؤكد أن انحطاطَها لا قعر له".
إثر تصويت لجنة العلاقات الخارجية على مشروع قرار (فلسطين المحتلة) موضوع الضجة بعد ظهر الخميس 13/10/2016، استخدم مندوب إسرائيل لدى اليونسكو حقه، باعتباره عضواً مراقباً، وخاطب المجلس التنفيذي بكلمةٍ معدة سلفاً، ولا تخلو لهجتها من الاستفزاز والاستخفاف، وأكد أن قرار اليونسكو لا يعني دولته، ولا يلزمها بشيء؛ وأن هذا القرار لن يغيّر الأمر الواقع، وأن القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية لإسرائيل، وأن روابط اليهود بالقدس لا يمكن، لا لليونسكو ولا لأية قوة في الكون، أن تنال منها.
ثم بدأت الأخبار تتوالى بسرعة لافتة:
1. صرّح نتنياهو أن "مسرح العبث يتواصل في اليونسكو"، وأن القرار يهذي بنفي "علاقة إسرائيل بجبل الهيكل وحائط المبكى". وأضاف، على سبيل المقارنة التي لا تستقيم: إن من يقول بعدم وجود علاقة لإسرائيل بـ "جبل الهيكل وحائط المبكى" كمن ينفي علاقة الصينيين بسور الصين، والمصريين بالأهرامات". وبحسب نتنياهو، "فقدت اليونسكو، بهذا القرار السخيف، ما تبقى من شرعيتها، لكنني واثقٌ من أن الحقيقة والتاريخ أقوى، وأن الحقيقة ستنتصر".
2. سارع وزير التربية الإسرائيلي، نفتالي بينيت، الذي يشغل كذلك منصب رئيس اللجنة الوطنية الإسرائيلية للتربية والعلوم والثقافة، إلى الإعلان عن التعليق الفوري لكلّ مشاركة ونشاط مهني مع "اليونسكو"، وادّعى أن "هذا القرار يدعم الإرهاب ويكافئ الإرهابيين الجهاديين الذين نفذوا خلال الأسبوع الحالي عمليات إرهابية في القدس. لكننا سنحارب الإرهاب الدبلوماسي في القدس".

لا جديد في القرارات
ما هي قصة قراري اليونسكو؟ وما هو الجديد فيهما؟ ولماذا ثارت ثائرة بنيامين نتنياهو ودفعته إلى إعلان ما يشبه الحرب على اليونسكو؟
ملاحظتان لا بد منهما بهذا الخصوص. تتعلق أولاهما بالقرار موضع الضجة الحالية، وثانيتهما تتعلق باستراتيجية إسرائيل الفعلية منهما. وأكرّر هنا ما كنت كتبته في مقال سابق في "العربي الجديد" (29/5/2016).

"لا جديد في لغة قرار اليونسكو، لا جديد على الإطلاق. ذلك أنها بخصوص القدس لم تتغيّر منذ عشرات السنين. والمُصطلحاتُ التي "تُستنكرُ" هنا هي نفسُها المعتمدةُ لدى اليونسكو"

بخلاف كل هذا اللغط الذي يملأ الأفق، ويعطي الانطباع بأن أمراً جللاً وقع بخصوص القدس، أفتتحُ بالقول إنه لا جديد في لغة قرار اليونسكو، لا جديد على الإطلاق. ذلك أنها بخصوص القدس لم تتغيّر منذ عشرات السنين. والمُصطلحاتُ التي "تُستنكرُ" هنا هي نفسُها المعتمدةُ لدى اليونسكو، وفي الحقيقةِ لدى منظومةِ الأمم المتحدة، منذ نشأت قضية القدس غداة الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967. فالوضع القانوني للقدس أنها مدينة محتلة، ينطبق عليها ما ينطبق على أية منطقة محتلة من مواثيق ومعاهدات تخص السكان والمواقع والآثار، ويتوجب على القوة المحتلة الحفاظ عليها من غير مساس وحمايتها من كل انتهاك.
ولأن اليونسكو جزءٌ من منظومة الأمم المتحدة، فإن قراراتها جميعَها (قرارات المجلس التنفيذي والمؤتمر العام) تعكسُ قرارات الأمم المتحدة (مجلس الأمن والجمعية العامة) والمواثيق والاتفاقات الدولية التي تنظم عملها. ويتعذّر عليها، بالتعريف الضروري، أن تتبنى لغةً تغايرُ لغةَ منظومةِ الأمم المتحدة و/ أو تجافيها و/ أو تخرج عن مضمونها، غير أن إسرائيل تتوخّى، بلعبة التسميات، شرعنة الوضع القائم، أي تحويله، عبر المصطلحات، إلى وضع شرعي، بدلالة المصطلحات التي تعمل على تغييرها.
هكذا ظلت قرارات اليونسكو تنظر إلى كل الأراضي الفلسطينية التي احتلت في العام 1967، بما فيها القدس الشرقية، على أنها أراضٍ محتلة، وأنه يترتب على دولة الاحتلال مجموعة من الالتزامات، في مقدمتها، فيما يخص موضوعنا، الامتناع عن إحداث أي تغيير في الوضع السابق على الاحتلال. في 1969 أدانت اليونسكو إسرائيل على تهديمها حي المغاربة، وطلب منها المؤتمر العام في 1972 عدم المس بالمواقع الأثرية والمباني والممتلكات، وبالامتناع عن أي تعديل في الطابع الفريد للمدينة القديمة، وبالكف عن أي تنقيب أركيولوجي باعتباره يهدّد معالم المدينة وخصوصيتها. ومن المفيد الإشارة إلى أن الاستخدام الدائم لمصطلح القوة المحتلة في قرارات اليونسكو ليس سلبياً بحد ذاته؛ ذلك أنه يحيل إلى التزامات الدولة المحتلة، بحسب اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولاتها وغيرها من المواثيق الدولية، بخصوص المناطق الخاضعة للاحتلال وبخصوص سكانها.
ولا يخرج مشروع قرار (فلسطين المحتلة) الجديد عن ذلك على الإطلاق، فهو يؤكد في البند الثاني على "أهمية مدينة القدس القديمة وأسوارها بالنسبة إلى الديانات السماوية الثلاث"، غير أنه يدين ممارسات إسرائيل: "رفض تنفيذ إسرائيل قرارات اليونسكو السابقة المتعلقة بالقدس"، و"امتناع إسرائيل عن وقف أعمال الحفر والأشغال المتواصلة في القدس الشرقية"، و"الاعتداءات الإسرائيلية المتزايدة" التي "تحدّ من تمتع المسلمين بحرية العبادة ومن إمكانية وصولهم إلى الموقع الإسلامي المقدّس المسجد الأقصى/ الحرم الشريف"، و"يستنكر الاقتحام المتواصل للمسجد الأقصى/ الحرم الشريف". ويأسف لـ"رفض إسرائيل منح تأشيرات دخول لخبراء اليونسكو"، ولرفضها "تعيين ممثل دائم لليونسكو يعمل في القدس الشرقية" .. إلخ.
لا ينكر مشروع قرار (فلسطين المحتلة) إذن علاقة اليهود بالقدس، لكنه ينتقد ويدين ويستنكر سلوك إسرائيل الدولة المحتلة، وسياساتها العدوانية تجاه الفلسطينيين، ومنعها لهم من ممارسة شعائرهم الدينية المقدّسة، ومن الوصول إلى المسجد الأقصى بحرية. ويأسف لعدم تعاونها مع اليونسكو، ورفضها تطبيق قراراتها.

ليست قضية صراعٍ دينيٍ على المقدسات
الانطباع الذي يخلفه الضجيج الإسرائيلي والصخب الإعلامي الذي رافقه (بما فيه جُل الإعلام العربي) بخصوص أن اليونسكو تنفي أو تنكر، بهذا القرار، علاقة اليهود بالقدس، هو من القوة، بحيث إن الصحفية الإذاعية التي طلبت رأيي لم تصدّقني، على الأرجح، حين أكّدت إنه لا جديد في قرارات اليونسكو، وإن الجديد، إن كان ثمّة جديد، هو أن إسرائيل كما يظهر، تريد استثمارَ الوهن العربي المريع، وتوظيف التغيرات الجغراسية (الجغرافية السياسية) العميقة لصالح استراتيجيتها الهادفة إلى تعزيز الأبارتهايد، ومنع قيام دولة فلسطينية.

"
تُحرج بعض الدول التي تصوّت عادة لصالح القرار، فتتراجع من التأييد إلى الامتناع عن التصويت، كما حصل لفرنسا وللسويد والأرجنتين والهند"

ثمّة ثلاثة عوامل شجعت إسرائيل، وحثتها على إثارة كل هذا الصخب المُراوِغ. أولها التسمية، أي تسمية الأماكن المقدسة للمسلمين باسمها العربي/ الإسلامي، وهذا منطقي، ويتسق مع طبائع الأشياء. لكنه يعني، أولاً، فشل سياسة الأمر الواقع المتبعة منذ عقود، بخصوص المساس بهذه الأماكن، بدءاً من التسمية، كما أسلفت. الأمر الثاني الذي حثها على التصعيد الصاخب أنها تُحرج بعض الدول التي تصوّت عادة لصالح القرار، فتتراجع من التأييد إلى الامتناع عن التصويت، كما حصل لفرنسا وللسويد والأرجنتين والهند، ولعدد من الدول الإفريقية. ولا تخفى فعالية الابتزاز بتهمة معاداة السامية، إن سُلّطت على أحد. أما الأمر الثالث فهو أن التصعيد قد يؤدي إلى تعديلاتٍ في المواقف، قبل أن يعتمده المجلس التنفيذي في جلسته المخصصة لاعتماد أعمال اللجان والمصادقة على مشاريع قراراتها بصورة نهائية اليوم الثلثاء (18/10/2016)، وهو أثمر، كما رأينا في البيان الصحفي الذي أصدرته المديرة العامة لليونسكو، بوكوفا، في اليوم التالي لتصويت لجنة العلاقات الخارجية على مشروع القرار.

****
القضية الفلسطينية في أُسّها قضية احتلال وكفاح من أجل التحرّر منه، أي هي قضية سياسية في المقام الأول، ويجب عدم اختزالها إلى غير ذلك. ونحن نعرف أن الإستراتيجية الإسرائيلية تعمل، منذ الانتفاضة الثانية خصوصاً، إلى تصوير الكفاح الفلسطيني من أجل التحرّر إلى إرهاب ديني، وإلى اختزاله إلى حلقة من حلقات إرهاب إسلامي عابر للقارات ضد الحضارة والتقدم والحياة. وهي تغذّي الإسلاموفوبيا بكل ما يمكن فعله بهذا الخصوص. ويجب ألا نتيح لها ذلك.

المصدر : العربى الجديد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق