اخر الاخبار وَهْـمُ الكتابة

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

منذ نهاية العام 2005، وأنا أقيم ورشاً للكتابة الإبداعية في العالم العربي. في العام 2009، بدأتْ أولى دورات المحترف الذي أسّسته بعنوان "محترف كيف تكتب رواية"، وصار يُعرف لاحقاً بمحترف نجوى بركات. واليوم، وقد أُنجزتْ في إطاره 23 رواية نُشرت في دورٍ عربية مهمّة (الآداب، الساقي، الفارابي، العين، .. إلخ)، وحاز بعضها جوائز أدبية (كتارا للرواية العربية، جائزة الإمارات للرواية، جائزة المحترف)، ونال معظمها ثناءَ النقاد والقراء، بات بإمكاني، ربما، تقييم بعض جوانب هذه التجربة، بوجهيها الإيجابي والسلبي على السواء.
ولمن لا يعرف الكثير عن هذه التجربة، أشير إلى أنه يتم اختيار ستة إلى ثمانية مشاركين من مختلف الدول العربية، بناءً على ما يتقدّمون به من مشاريع روائية (خمس صفحات حدّاً أقصى، يشرح فيها المشارك مشروعه، وذلك للبدء من الدرجة صفر، بما أني لا أعمل على مخطوطاتٍ جاهزة)، ليشاركوا في دورةٍ تدوم نحو عام، وتنتهي بنشر الروايات المنجزة ذات الجودة. يتلخّص العمل، إذاً، بمواكبة الكتابة في جميع مستوياتها، التدخّل عليها وتصويبها، من دون إغفال تحرير النصّ النهائي، من حذف وتصحيح وإعادة كتابة .. إلخ، وصولاً إلى عملية النشر التي أشرف عليها أحياناً (دورتا بيروت والبحرين).
والحال أن أحد الأهداف الأساسية من الخوض في تجربةٍ كهذه، هو رفع سقف المعايير والتوقعات، تنبيه الكاتب الشاب إلى أن معايير الانتشار ليست بالضرورة معايير جودة، جعل الكتابة عملية معقلنة، بقدر ما هي مستندة إلى الإلهام، إخراج اللغة من ثيابها الرثّة وإعادة الاعتبار إليها باعتبارها أداة عمل أولى، معاملة النص بقسوة والحذف والتشذيب بقدر ما تقتضي الضرورة، إلخ. ولهذا، لطالما ردّدتُ أمام المشاركين أن ليس كلّ من يكتب كاتباً، أن القراءة أساسٌ من أسس التثقيف الذاتي، أن الكتابة هي بالأحرى لعنةٌ لا يتبارك بها كل من يشاء، وأخيراً أن الموهبة، مهما كبرت، لا تكفي وحدها لإنتاج كاتب عظيم.
وقد يقول قائل: أجل، هذي كلها مسلّمات. لكن، لا، للأسف، هذي ليست كلها مسلّمات.
والحق يقال إن كثراً من الذين مرّوا في محترفي، انعقدت بيني وبينهم صداقاتٌ جميلة، وأنا اليوم في انتظار أعمالهم التي ستلي، لأتمكن فعلاً من تقييم تجربة المحترف. لقد نشر بعضهم روايته التالية، مثل هلال شومان وهدى حمد، وهنالك آخرون هم قيد العمل على أعمالٍ سترى النور قريبا، مثل أيمن جعفر ونغم حيدر وعبدو خليل وأسماء الشيخ ومنيرة سوار وسواهم، فيما يتريث بعض آخر قبل أن يثب وثبته التالية.
قلّة قليلة أنكرت مرورَها في المحترف لعامٍ. ومع ذلك، هناك من نشر من دون الإتيان على ذكره (الكاتبة د. م.)، وهناك من تملّص وتحايل، ناسباً إلى نفسه الجهد كاملا (الكاتب م. أ. ط.)، وهناك من تضخّمت أناه حتى العمى، فما عاد يريد التعرّف إلى المحترف أو ذكره. لهؤلاء جميعا أتمنى التوفيق والاستمرار، وإن كنتُ لا أخفي أني لا أثق بقلّة سعة من يمتلك موهبةً حقيقية.
لا أروي ذلك كله انتقاما، وأتفهّم تماماً طيش الشباب ونزقه. وإن بدا كلامي بالغ الصرامة، فلأني أردته هكذا، والصرامة، في رأيي، ضرورية أحياناً، كي لا تتكرّر خيانة كل ما جهدتُ وجهدوا لأجله: أي ولوج عالم الأدب كفرسان، لا كلصوص، الإيمان بذواتهم والمضيّ قدما، والاعتراف بأن أعمالهم المنجزة في إطار المحترف لا تكفي لتقييمهم كتّاباً، وإن كانت ضرورية لانطلاقتهم.
واليوم، يفاجئني سؤالٌ يتكرّر: أريد ترشيح روايتي للجائزة الفلانية، فيضحكني لخفّته ويؤلمني، في الآن نفسه، لأنه، في مكانٍ ما، يُشعرني بأني فشلت في مهمّتي. وإنْ حدث وأجبتُ بأنه من الأفضل التريّث حتى الرواية التالية، وأن الروايات المنتجة في المحترف قد لا يحقّ لها المشاركة في بعض الجوائز، يصير السؤال: هل من طريقةٍ لإزالة "الوشم"، والتقدّم بجلد ناصع تماما؟
حينها، يصيبني ذلك الهلعُ من أن أكون قد أدخلتُهم، عن غير قصدٍ، لا في عالم الأدب، وإنما في وهمه.

المصدر : العربى الجديد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق