اخر الاخبار أنا محترم

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

إلى أن يتوصل علماء التجارة إلى تصنيفٍ محدّدٍ لهذا النوع من الزبائن، آثر عمال "المول" الضخم التزام الكبت أمام هذا "الزبون الوهمي"، مع منحه امتيازات "الزبون" كاملةً، على الرغم من العناء الذي يترتب عليهم، كلما أنهى جولة تسوقه من "المول".
وإلى أن يتحدّد التعريف، لم يكن أحدٌ من حرس "المول" يملك منع هذا الرجل من الدخول، لأن "الزبون على حقٍّ دائماً"، وفق التجار، خصوصاً وأنه يتردّد يومياً على "المول" للتسوّق، فيملأ العربة حتى حلقها، من شتى الأصناف والماركات، وهذا "النصف الملآن" وحده يكفل له "احترام" جميع العاملين والمتسوّقين، وفق ما كان يلمحه في عيونهم المنبهرة بعربته.
أما الامتعاض من "النصف الفارغ"، فيبدأ عندما تطفح العربة عن آخرها، ويقترب موعد "الحساب"، إذ يركن صاحبنا العربة عند حافة "كاونتر" المحاسبة، وينسلّ خارجاً كما دخل، فيكون على عمال المول إعادة البضائع إلى أمكنتها، مع كثيرٍ من الاحتقان والسباب والشتائم، ويصل بعضها إلى أسماع صاحبنا، من دون أن يطرف له جفن، بعد أن أدّى مهمة "احترامه" بنجاح.
أما "الزبون" الوهمي الذي سحقه الفقر فقد كان يمارس دور "الزبون المحترم" كاملاً.. يدخل "منتصب الهامة"، ويسحب عربةً من طابور العربات المخصّصة للتسوق، ثم يسلّ حزمة أوراق مطويةٍ بعناية من جيبه، وعلى رأس كل ورقة اسم معين.
يبدأ بالورقة الأولى، المروّسة باسم زوجته، وتحته قائمة المشتريات التي تطلبها، لتغطية متطلبات اليوم، من الوجبات والمنظفات، فيتجه بدايةً إلى قسم اللحوم، ويتأمل شرائح اللحم المعلقة بلذة، ثم يهاتف زوجته، ويطلب منها أن تختار شريحة اللحم الملائمة لغداء اليوم، ثم يوعز للقصّاب بقصّها وفرمها.
وبعد أن ينتهي من الورقة الأولى، يراجع القائمة، خشية أن يكون قد نسي شيئاً، ثم يطويها ويدسّها في جيبه، ليخرج الأوراق الخاصة بأبنائه. وهكذا حتى يجهز على جميع الأوراق. وغالباً ما كان يحتاج عربةً أخرى، فيطلب، بثقةٍ، من أحد العمال أن يساعده بجرّ العربة الثانية، إذا كانت قوائم المشتريات طويلة، لا سيما في أول الشهر، من دون أن يخلو الأمر، بالطبع، من اتصالاتٍ أخرى مع "العيال"، بل ومشاحناتٍ مع العمال، إذا لم يجد صنفاً مدوّناً على الورقة، وكم من شكوى قدّمها إلى مدير المول، احتجاجاً على غياب شوكولا "باونتي" أو "روشيه" عن الرفوف.
وفي أثناء التجوال، تعاوده ذكريات اليوم الأول من دخوله "المول"، حين اصطحب زوجته وأطفاله في "نزهةٍ" لزيارة هذا "النصب" الهائل، فكان أول ما بهره شخصياً طقوس "الاحترام" التي حظي بها عند المدخل، والتي أشعرته بنوعٍ من التوازن النقيض لنظرات الازدراء التي طاردته، منذ اكتشف العالم فقره، فصمّم، منذ ذلك اليوم، على ارتياد المول، يومياً، لاستعادة بعض توازنه المفقود.
ثم تطوّر الأمر إلى قوائم الشراء، لإعادة بعض التوازن، أيضاً، إلى عائلته التي رجّحت بها كفة الحرمان، إلى أقل من عود ثقاب، فآثر أن يدوّن طلبات زوجته وأبنائه اليومية، كلّ صباح، وتركهم يحلقون في البضائع التي يشتهونها، ليبتاعها لهم من "المول".
على الطرف الآخر، وبعد أن بلغ السيل الزبى بطاقم المول من هذا "الزبون" الوهمي، وعقب سلسلة اجتماعات عقدت مع أصحاب الشركة الرئيسية في لندن، والذين عقدوا اجتماعاتٍ مماثلة، مع علماء التجارة، في نيويورك لمعالجة هذه المعضلة غير المسبوقة في علم التسوق، فقد تمخضت قرائحهم عن حلّ "سحريّ"، لا يتناقض مع المفهوم المحوري لعلومهم، إذ أوعزوا للمول بفتح مدخلٍ جديد للمبنى، توضع عليها لافتة بعنوان "نصف زبون"، ويطلب من "صاحبنا" وحده أن يسلك هذا المدخل.
كان الارتياح بادياً على أرباب "المول"، في ذلك الصباح، وهم يشاهدون صاحبنا يرفض الدخول من الباب المخصّص له، ويلتف مذعوراً، راكضاً في الشوارع، لا يلوي على شيء، وهو يصرخ: "أنا محترم.. أنا محترم".

المصدر : العربى الجديد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق