اخبار اليوم المنطقة الأثرية.. تقاعس حكومى وغياب أمني (مواجهة)

0 تعليق 6 ارسل لصديق نسخة للطباعة

المنطقة الأثرية في حى منشأة ناصر صارت مهددة بكثير من الأخطار المحدقة، خاصة بعدما نالت منها التعديات، والتى جعلت أحد أكبر خبراء الآثار وهو الدكتور محمد الكحلاوى، أمين عام اتحاد الأثريين العرب، يوجه نداءه للحكومة منذ أكثر من 15 عاما بأن تنقذ «جبانة المماليك»، وحذر من إهدار كنوزها بسبب التقاعس الرسمى، وأنها لن تتحول إلى مزار سياحى ما لم تتحسن الأوضاع الأمنية، والقضاء على البلطجة، في حين قال سعيد حلمى عزت، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الآثار، إن وزارة الآثار لا تتحمل بمفردها المسؤولية في التعديات والإهمال الذي ينال من المنطقة، مؤكدا في الوقت نفسه أن الوزارة تعمل على محاصرة الانتهاكات، وتوفير الخبرات اللازمة من خلال ضخ دماء جديدة.

الدكتور محمد الكحلاوى أمين عام اتحاد الأثريين العرب:

آثار المماليك تحولت إلى «جبانة الزبالين» وأتوقع اختفاءها بعد ثلاث سنوات

الدكتور محمد الكحلاوي

توقع الدكتور محمد محمد الكحلاوى أمين عام اتحاد الأثريين العرب، وأستاذ الآثار الإسلامية، اختفاء منطقة جبانة المماليك في غضون ثلاث سنوات ما لم تتدخل الدولة بخطة سريعة لإنقاذها من حالة التدهور والضياع، حيث وصفها بأنها صارت «جبانة الزبالين» بعد أن كانت آثارها درة على جبين الآثار الإسلامية، خاصة مسجد السلطان قايتباى.

وندد الكحلاوى بتقاعس الحكومة إزاء عمليات سرقة ونهب هذه الآثار، التي كانت بديعة وآية في الجمال، مشددا على ضرورة إزالة جميع أشكال التعديات التي تشمل القمامة والمواد الخطرة الناتجة عن الورش بالمكان، ومخالفات المبانى العالية التي تحجب المساجد والقباب والأضرحة وتشكل «انتهاكا صارخا» لحرم الأثر، بعد أن كان هناك توجه لتسجيلها على خريطة الآثار العالمية.

■ ما تقييمك للأوضاع التي وصلت إليها جبانة المماليك؟

- كان اسمها صحراء القاهرة أو جبانة المماليك سابقا في الماضى فقد كنت أراها في شبابى أي منذ 45 عاما مكانا جميلا بديعا، أما الآن وللأسف الشديد أصبح لها اسم مختلف، هو جبانة الزبالين، بعد أن تحولت إلى مقلب للقمامة والنفايات والمواد الخطرة التي تلقى بها الورش وتؤثر على مستوى العمارة، لقد سخرنا من المماليك رحمهم الله بتلك الأفعال المشينة، نحن دولة لا تحترم التراث وتتفنن في إهداره، فقد تم الاعتداء على هذه الآثار ببلطجة وسفالة ووقاحة غير مسبوقة في تبديد القيم الإنسانية والحضارية في بلد من أعرق الدول في التاريخ والفن والحضارة.

■ كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد من الإهمال في منطقة غنية بالتراث القومى والأثرى؟

- الحكومة رفعت يدها عن حماية هذا الإرث والتراث الحضارى العظيم، ولا تهتم إلا بالسياسة ودعاوى الإرهاب فقط، أما ما يتعلق بهذه القيمة الإنسانية فهى تغض عنه الطرف وتركته نهبا للصوص والاعتداء من ساكنى العشوائيات ومهربى الآثار، بلا حماية، لقد فقدنا هويتنا، نحن بلد لا يعانى من الحروب مثل الدول المحيطة بنا، كسوريا واليمن وليبيا، حتى نتذرع بها، ومع ذلك فرطنا في تراثنا، تراث مصر وتاريخها العريق، القضية أصبحت مخيفة.

■ وماذا فعلتم كاتحاد للأثريين العرب وكأثريين مصريين للتصدى لتلك الأزمة؟

- أولا هذه المنطقة تقع في نطاق القاهرة التاريخية وكنا نسعى في يوم من الأيام إلى تسجيلها ضمن التراث العالمى، وحذرنا مرات عديدة لا تحصى من سرقة الآثار والاعتداء عليها، فقد سرق اللصوص الشبابيك الحديدية والرخام الذي يكسو الأرضيات والقباب والتى بدت مبنية على الطوب، وهى بدورها آخذة في الانهيار والتداعى إلى أن يختفى الأثر الذي كان في يوم من الأيام تحفة معمارية تبهر وتسر الناظرين.

■ ما مظاهر الاعتداء الأخرى على آثار المنطقة؟

- نحن البلد الوحيد على مستوى العالم كله الذي يعيش فيه الأحياء مع الأموات، الناس تعيش وتمارس حياتها في المقابر، أما عن الاعتداء نفسه فإنى أدعوك إلى أن تخرج جنيها من جيبك ستجد صورة مسجد السطان الأشرف قايتباى مصورة عليه، وهو من أجمل ما شيدته الحضارة والعمارة الإسلامية، واتخذناه رمزا للعملة المصرية، ولكن عندما تنظر إلى وضعه المؤسف في الوقت الراهن، تراه يكاد يختفى وسط المبانى التي تقام حوله بعد انتهاكات حرم الأثر، فالدولة تركت هذه الآثار العظيمة التاريخية البديعة نهبا للتجاوزات، وتقاعست وتركت كل من يفعل شيئا يفعله وبدون ترخيص، وتركت القمامة تتراكم حول الآثار، ودولتنا السعيدة هي التي سمحت بدخول المرافق للمبانى المخالفة، فقد شرعت لهذه المخالفات ووافقت عليها ثم لا تتورع عن عقد المصالحات على المخالفات التي يجرمها القانون، لتصبح دولة فاقدة لحاضرها وماضيها ومستقبلها.

■ ما سبل إنقاذ الآثار في صحراء القاهرة أو جبانة المماليك؟

- لا أمل طالما استمر التقاعس الحكومى، فالآثار تنهب، وتراثنا العظيم الفخيم يهان ويدنس، ويتم تحرير المحاضر في الشرطة دون جدوى، ثم يتم حفظها وتقيد القضية ضد مجهول، كما أن التعديات بأشكالها كافة مازالت مستمرة دون اهتمام بإزالتها من جانب المسؤولين رغم تحذيراتنا ومناشداتنا المستمرة، فلابد لإنقاذ هذه الآثار من رفع تلك التعديات وتنظيف المنطقة تماما من المواد الخطرة التي تهدد الأثر ورفع المخلفات والقمامة، فأنا لا أبالغ إذا قلت لك إن المنطقة الأثرية مهددة بالضياع تماما خلال ثلاث سنوات ما لم تتحرك الحكومة وتتخذ الإجراءات المناسبة لإعادة المدينة التاريخية إلى جمالها ورونقها الذي كان مفخرة لها في الماضى.

■ وما إمكانية تحويل هذه المنطقة إلى مزارات سياحية تضفى جمالا وتنشط السياحة وتدر دخلا للدولة؟

- كان هذا مشروعنا وحلمنا الذي طالما نادينا به، فالمنطقة فريدة من نوعها وتحتاج إلى التنمية المستدامة، ولابد من وضع موقعها على الخريطة السياحية المصرية والعالمية، فهى تشكل تاريخا فريدا للمصريين، ولكننا للأسف الشديد نعمل كجزر منعزلة بلا تنسيق، فلا يوجد تنسيق بين الآثار والأمن والمحافظة والمحليات عموما، ولا يوجد تنسيق بين الأجهزة المعنية ونحن وجميع مؤسسات المجتمع المدنى المهتمة بالآثار لا يهتمون بتوصياتنا وتحذيراتنا من المخاطر المحدقة بالآثار ويعتبرونها آراء استشارية فحسب، ويجب قبل كل شىء رد الاعتبار للآثار وإنقاذها من ذلك الضياع.

سعيد حلمى عزت رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الآثار:

نحتاج تمويلاً لا يقل عن نصف مليار جنيه للتطوير ومواجهة التعديات

سعيد حلمي

أكد سعيد حلمى عزت، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الآثار، أن الوزارة تعمل على محاصرة التعديات التي تنال من المناطق الأثرية خاصة في منطقة جبانة المماليك. ولفت إلى أن وزارة الآثار لا تتحمل وحدها المسؤولية في الانتهاكات والتعديات التي تنال من المناطق الأثرية الإسلامية خاصة بمنطقة منشأة ناصر، موضحا أنها تعمل من جانبها على ضخ دماء جديدة وكوادر فاعلة من أجل التطوير.

وطالب عزت بتبنى مشروع قومى للاهتمام بالمواقع الأثرية والتراثية الإسلامية، إلى جانب عقد مؤتمر عام لمناقشة أزمة التعديات عليها والانتهاكات ضدها. وقال إن الوزارة تحتاج إلى تمويل لا يقل عن نصف مليار جنيه لتطوير المنطقة الأثرية.

■ الآثار الإسلامية تتعرض لنوع من الإهمال الشديد خصوصا في القاهرة التاريخية بشكل عام وجبانة المماليك بشكل خاص.. ما السبب؟

- نواجه تعديات صارخة على المناطق الأثرية التي تضم الآثار الإسلامية في القاهرة التاريخية وبخاصة المنطقة التي تضم المقابر، وهى ليست مسؤولية وزارة الآثار بمفردها، ولكن محافظة القاهرة التي تضم الأحياء وخاصة حى منشية ناصر الذي يقع فيه كثير من هذه الآثار، ووزارة الإسكان لأن المنطقة بها عشوائيات كثيرة، إلى جانب إدارة الجبانات التابعة للمحافظة.

المنطقة بها تراث يضم مقابر وأضرحة ومساجد وأسبلة ومدارس وعمارة وسمات حضارية وتراثية مميزة، وهى تعانى بشدة، ولكن المسؤولية كما قلت مشتركة بين جميع الجهات التي ذكرتها.

■ وما دوركم كوزارة آثار في مواجهة التعديات والانتهاكات التي تخالف القانون؟

- نحاصر هذه التعديات، ولكننا ليس لنا صفة تنفيذية ملزمة، فهذا دور وزارة الداخلية ومحافظة القاهرة، وهم المنوط بهم تأمين الآثار وحمايتها في المقام الأول.

ونحن كوزارة آثار علينا واجب، لا نلقى اللوم على غيرنا، فنحن من واجبنا إعداد الكوادر التي تستطيع تجهيز ملفات لعرض وإدارة المواقع الأثرية بحرفية ومهنية عالية، ونعمل على تحقيق هذا الهدف، ونحن بصدد تعيين بعض القيادات في هذه المنطقة.

■ ماذا عن دور الأجهزة التنفيذية الأخرى؟

- صار للدولة أولويات بعد عام 2010، مثل الاستقرار الأمنى والحفاظ على النسيج الاجتماعى في أجندة أولوياتها، وليس معنى هذا أنها تقصر أو تهمل، ولكن لأنها ترى محور الاهتمام في فرض الأمن والسيطرة والنظام.

■ لكن آثار البلد هي كنوز وطنية وثروة قومية، ألا تستحق أن توضع ضمن هذه الأولويات؟

- أطالب الدولة بأن تتبنى مشروعاً قومياً للحفاظ على الآثار والمناطق التراثية، حتى تكون مصر بلدا آمنا، وذلك يحتاج دفعة من الدولة، ومن ثم هناك حاجة إلى صدور قرار بالاهتمام بالقصور الأثرية والوكالات والمساجد والأسبلة والمنازل، ومن ثم تشكيل لجنة من الوزارات المعنية لتحقيق هذا المشروع.

■ وما تكلفة هذا المشروع القومى في تقديرك؟

- توفير التمويل لوزارة الآثار أمر ضرورى، فهى تحتاج ما لا يقل عن 500 مليون جنيه لتطوير المنطقة الأثرية بمنشية ناصر وجبانة المماليك وشرق القاهرة، التي تمتد من الأوتوستراد حتى شارع صلاح سالم، فالوزارة لا تملك هذه التكلفة الفعلية، وهى الحد الأدنى المطلوب، فهناك جهات إدارية أخرى عليها أن تشارك، مثل وزارة الإسكان، ومحافظة القاهرة كى يتم توفير شقق بديلة لسكان المقابر، فالمنطقة بها تعديات بسبب المبانى المخالفة حول المبانى الأثرية، والسلوكيات الخاطئة، وأنا كوزارة لست مسؤولا عن هذه التعديات التي تشوه الوجه الحضارى لواحدة من أعرق المناطق الأثرية.

■ ذكرت سكان المقابر ومنهم من يرتكب انتهاكات ضد الآثار والتى توجد بينهم، فما الحل؟

- ظاهرة سكنى المقابر تحتاج إلى قرار جرىء وجاد من محافظة القاهرة، فلابد أن تتصدى لهذه الإشغالات والتعديات والسلوكيات الخاطئة التي تعرض المنطقة الأثرية للخطر.

■ ماذا عن جرائم سرقة وتهريب القطع الأثرية؟

- أستطيع القول إن جميع الآثار مسجلة، وأى قطعة يتم سرقتها أو تهريبها نعمل على استردادها، فحق مصر محفوظ، حيث نقوم بإبلاغ الإنتربول الدولى، وقد تمكنا في الفترة الأخيرة من استرداد حشوات قبة الخلفاء العباسيين بالسيدة نفيسة والتى كانت قد سرقت عام 2012، كما تم استرداد 8 حشوات خشبية من المنبر الخشبى الخاص بمسجد جانم البهلوان، بمنطقة الدرب الأحمر من العاصمة الدنماركية كوبنهاجن، إلى جانب بعض القطع الأثرية من العاج والأبنوس التي سرقت من بعض القباب والمصاحف، ونسعى بالتنسيق مع الإنتربول إلى استرداد مطرقتين نحاسيتين تمت سرقتهما عام 2008 من مسجد جانى بك، وتوجدان الآن في لندن.

■ هذا يعنى أن هناك ضعفا في تأمين هذه الآثار أليس كذلك؟

- بالفعل نعانى عجزا شديدا في حراسة هذه الآثار، لكن الخدمات الأمنية للمناطق السياحية أكثر من الخدمات التي توجد بالمناطق الأثرية، رغم أن السياح يذهبون أيضا لمشاهدة المواقع الأثرية، وهو ما يستلزم التنسيق بين شرطة السياحة والآثار، لإيجاد مناطق أثرية آمنة، خاصة في منطقة منشأة ناصر والدراسة والدرب الأحمر والغورية والسيدة زينب وغيرها.

■ لكن لماذا لا تجتمع لجنة حرم الأثر لبحث سبل مواجهة التعديات التي تنتهك الآثار؟

- اللجنة تجتمع دائما، صحيح أن هناك آثارا ليس لها أحرمة، وهو ما يستدعى قيام اللجنة بعقد اجتماعات لها مرة أو مرتين شهريا، وحرم الأثر في المقابر يختلف عن حرم المسجد، فالأول لا يقل عن 2.5 متر والثانى من 20 إلى 30 مترا، وكلها تواجه تعديات مثل المبانى غير المرخصة والقمامة وغيرها من المخلفات.

■ ماذا عن تدخل منظمات دولية مثل اليونسكو من خلال مشروع الإحياء العمرانى للقاهرة التاريخية؟

- مشاريع ودراسات اليونسكو محدودة، وهى تنفق على الأمور التي أجرت لها دراسة، ولدينا آخر تقرير أصدرته وكان عن عام 2015، وطلبوا فيه من الحكومة المصرية إنجاز بعض المطالب، مثل الحفاظ على القاهرة التاريخية والنسيج العمرانى.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق