اخبار اليوم انتشار القمامة والحيوانات الضالة.. والمباني المخالفة تنتهك حرمة الآثار

0 تعليق 7 ارسل لصديق نسخة للطباعة

تحتل جبانة المماليك أو ما يوصف بـ«مدينة القباب» موقعا مميزا على خريطة القاهرة، فهى تمتد من طريق صلاح سالم حتى طريق الأتوستراد أو طريق النصر، وتقع بمنطقة قايتباى بحى منشأة ناصر بالقاهرة، وتضم كنوزا فريدة من العمارة الإسلامية الشامخة، وآثارا تتمتع بشهرة عالمية ودينية وتاريخية، أبرزها مسجد ومجمع قايتباى، الذي اتخذته الدولة في وقت من الأوقات شعارا للعملة الوطنية متمثلة في الجنيه المصرى.

المنطقة تضم مجمعات دينية ضخمة تشمل المساجد، والأضرحة، والمدارس والخانقاوات والكتاتيب والسبيل الذي كان مخصصا لشرب البشر، والحوض لشرب الدواب، والمقعد، حيث كان المجمع يقدم خدمات دينية واجتماعية وتعليمية متكاملة، كما كانت تتميز آثارها بزخارف ونقوش إسلامية بالغة الروعة، تعود إلى العهد المملوكى، وتوجد في عدد من شوارع الحى وهى شارع السوق والسلطان أحمد، وقبة الأشراف، ومقابر الشهداء والعفيفى، وشارع الوقاد، وحارة درب الساقية وحارة سليمان.

ورغم اقتراحات وخطط عديدة لتحويلها إلى منطقة جذب سياحى، وتطويرها حتى تحتل مكانا لائقا على خريطة السياحة الدينية والثقافية، إلا أن الواقع يحكى قصة مريرة، عنوانها الإهمال والعبث والألم، وكلها عوامل يمكن تلخيصها في أنها كارثة حضارية وثقافية وإنسانية وإهدار للقيمة التاريخية والتراثية.

«المصرى اليوم» رصدت مظاهر عديدة تدل على مسلسل متصل من الانتهاكات لحرم المنطقة الأثرية بالكامل، والتى وقعت فريسة لعديد من السلوكيات العشوائية الخاطئة في غياب كامل للرقابة الحكومية على المكان.

يؤدى شارع المماليك، وهو شارع طويل يخترق بدوره الأحواش والمقابر، إلى المنطقة الأثرية بالجبانة من خلال ممر قصير، تتوسطه قبوة محاطة بالقمامة التي تتناثر على امتداد الشارع لتغزو روائح كريهة متباينة الأنف وتغطى على عبق الحضارة والتاريخ، وما زاد الطين بلة انتشار بقع متناثرة واسعة من مياه الصرف الصحى، تحيط مسجد الأشرف قايتباى الذي كان يوصف بأنه درة التاج للعمارة الإسلامية، ولكنه يقبع في الوقت الراهن وحيدا محاطا بسيارات نقل ثقيل وأخرى خردة متهالكة فضلا عن المساكن والمقابر والورش.

وعند التوجه للمسجد كان هناك أشخاص يشبهون الدراويش ويرتدون ملابس رثة لا تقل قبحا عن مظهر المكان المحاط بالقمامة والقذارة، حيث تلاحظ أن انتشار المقابر الأهلية بين الآثار يأتى على رأس الانتهاكات التي تكاد تعصف بها.

بينما يتصف أهالى المنطقة بالفضول الشديد عند قدوم غريب ويرمقونه بنظرات غير مريحة ويبادرونه بالسؤال عما يريد، فهم يعرفون بعضهم بعضا، كما يخشون من إزالة المبانى العشوائية وإخلاء أحواش المقابر من سكانها.

مظهر المنطقة بالغ السوء، حيث تعانى آثار مجمع الأشرف قايتباى ومجمع السلطان الأشرف برسباى، ومجمع السلطان الناصر بن برقوق وقبة جانى بك الأشرفى، وقبة ومدرسة الأمير قرقماس إهمالا شديدا وحالة مزرية تدعو إلى الرثاء.

الحراسة غائبة تماما عن آثار المنطقة، خاصة في الليل، والذى يوفر فرصة كبيرة للاعتداء عليها بالسرقة أو استخدام معظمها كأوكار للبلطجة وتعاطى المخدرات، وهو ما يعد نوعا من التقصير الشديد في تأمينها من أيدى العبث التي تنال منها طوال الوقت، لا يوجد فرد أمن واحد لحمايتها من السرقة والانتهاكات ومنع الأطفال الذين يلعبون ويمرحون داخل بعضها، وعلى المقابر المتهدمة التي تعانقها من شتى الاتجاهات.

هناك عوامل سلبية مشتركة تضر بهذه الآثار وقد ظهرت نتائجها واضحة بشكل كبير منها: المياه الجوفية، ومظاهر التعرية وتغير المناخ وارتفاع درجات الرطوبة والترميم السيئ والأملاح.

وفى هذا السياق، حذر الدكتور محمد حمزة إسماعيل، عميد كلية الآثار جامعة القاهرة، الذي حصل على درجة الماجستير في آثار جبانة المماليك، من استمرار مظاهر الإهمال التي تؤدى إلى طمس معالم آثار، وصفها بـ«الفريدة» والتى تضم مجموعة من أروع الآثار الإسلامية في العالم وآثار عصر المماليك البحرية والجراكسة.

وقال إسماعيل لـ«المصرى اليوم» إن الدولة ليست لديها «رؤية» للاهتمام بالآثار كما أنها اختزلت اهتمامها بآثار القاهرة التاريخية في شارع المعز، رغم أن الحوارى والأزقة والدروب والعطف بتلك المنطقة تعانى أوضاعا بالغة السوء أيضا.

وأكد أن آثار منطقة المماليك لا يمكن تعويضها فهى تضم آثارا نادرة لا ينبغى إهدارها، والتى من بينها مجموعة السلطان الأشرف فرج بن برقوق ومجموعة السلطان الأشرف برسباى، ومجموعة السلطان الأشرف إينال، ومجموعة السلطان الأشرف قايتباى وقيرقماس وشويكار هانم، والشيخ عبدالله المنوفى من أئمة الفقه المالكى وحوش الخديو عباس حلمى، الذي يرجع له الفضل في إنشاء جميع المتاحف القومية الأربعة المصرى والإسلامى والقبطى ومتحف الإسكندرية، مؤكدا أن هذه الآثار تتعرض لاعتداءات لا حصر لها وتفتقر إلى التأمين، بينما يقوم مفتشو الآثار بتحرير آلاف المحاضر والتى يتم حفظها.

وحمّل إسماعيل وزارة الأوقاف وإدارة الجبانات المسؤولية في استمرار ظاهرة سكنى المقابر التي تضر بالآثار، موضحا أنهم يؤجرون الأحواش لسكان المقابر بطرق ملتوية، كما يتم توصيل المرافق إليها من ماء وكهرباء وصرف صحى بشكل غير رسمى من جانب المحافظة.

مشهد القمامة بدوره صار سمة من سمات المنطقة، فلا عجب أن يكون في منشأة ناصر منطقة تعرف بـ«الزرايب» أو حى «الزبالين» والذى يعتبر أكبر مجمع لتجميع وإعادة تدوير النفايات في مصر، هذه القمامة تتمدد ولا تستثنى أيا من المجمعات الأثرية، لتشكل مع سيارات الكارو والبغال والحمير، نشازا بصريا منفرا ومثيرا للاشمئزاز، والمكان كله تنبعث منه روائح خانقة تزكم الأنوف تجمع بين خليط من مخلفات القمامة العضوية والحيوانات النافقة من كلاب أو قطط أو فئران، إلى جانب الزيوت التي تتسرب جراء سمكرة وتصليح السيارات، من الورش المجاورة لهذه الآثار، فضلاً عن احتلال سيارات النقل الثقيل ساحات المساجد الأثرية، والتى حولتها إلى ما يشبه الجراجات.

ويمارس سكان المقابر وسكان المنازل العشوائية، أنشطة الحياة كافة التي تضر بالآثار، بل ويعلقون حبال الغسيل ما بين قضبان وأعمدة الأثر وشواهد القبور، وهو ما يدل على جهل كامل بقيمة هذه الكنوز. وهو ما دعا عميد آثار القاهرة إلى توجيه نداء للجيش والشرطة بالتدخل لإنهاء ظاهرة سكنى المقابر، الذين يمارسون البلطجة ويعيشون بلا بطاقات هوية، مشددا على ضرورة إنشاء فنادق ووسائل جذب سياحى للعرب والأجانب والمصريين.

وتشمل الانتهاكات التي رصدتها «المصرى اليوم» الكتابة على الجدران بألوان صارخة، وتعليق لافتات دعائية وملصقات، وتلطيخاً عشوائياً بفعل القاذورات أو حرق القمامة وإطارات السيارات والمواد البلاستيكية، والتى تشوه الجدران بــ«هباب أسود» كأنها «مستوقد»، وليس لأحد سلاطين الدولة المملوكية العظام.

وفى هذا الصدد حذر حسن نحلة، نقيب المرشدين السياحيين، من إهدار القيم الحضارية والتراثية في جبانة المماليك، قائلا إن المرشدين يتحرجون من تنظيم جولات سياحية في المكان حتى لا يعطوا صور مسيئة للبلد.

وأضاف نحلة: «المرشد يضطر إلى تبرير تلك المشاهد المخجلة لعلها تفلح في تغطية صور التعديات السيئة في المنطقة».

وتابع نحلة أن إهمال القيمة الأثرية والحضارية على هذا النحو يعوق انتعاش السياحة، لأن السائح الحر أو أي صحفى أو مراسل بوسعه أن يذهب إلى هناك ويصور هذه المشاهد ويحارب السياحة في مصر من خلال نشر صور تسىء إلى سمعة الدولة المصرية وتجسد إهمالها للحضارة والتراث.

ولفت إلى أن الاهتمام ينصبّ في المقام الأول على الآثار الفرعونية، وكان يجب على وزارة الآثار أن تهتم بالقاهرة التاريخية وآثارها الإسلامية وأن تنظر إليها نظرة مختلفة من أجل تنميتها وتطويرها. وأبدى نحلة استعداده للتعاون مع جميع الجهات المعنية متى توافرت الإمكانيات المادية، قائلا: النقابة تستطيع أن تقدم بمرشديها المثقفين الخدمات اللازمة لتجميل وتنظيف المكان والترويج له محليا وعالميا.

وتشمل التعديات التي نالت من الآثار ظهور عدد كبير من البيوت والمبانى المخالفة التي تقدم بدون ترخيص وتشكل اعتداء صارخا على «حرم الأثر» بالمخالفة للقانون، حيث وصف الدكتور جمال عبدالرحيم، أستاذ الآثار بجامعة القاهرة، هذه المبانى بـ«الخوازيق» والتى تستلزم قيام الدولة بـ«الضرب بيد من حديد» على أيدى العبث التي تنال من المنطقة الأثرية، قائلا إن الانفلات الأمنى هو السبب الأول في ظهور هذه المبانى.

وأضاف عبدالرحيم: «هناك إهمال متعمد، والدليل أن الجهة الإدارية والتنفيذية تسمح ببناء هذه المبانى التي تشوه الآثار في القاهرة التاريخية عموما، وبدون تصريح»، مشددا في الوقت نفسه على ضرورة إخلاء المقابر من السكان الأحياء بالقوة، فسلوكياتهم السيئة تسبب هذا المظهر المسىء.

وحول مسؤولية وزارة الأوقاف، فيما يتعلق بحماية الآثار وصيانتها والإنفاق على ترميمها، قال، الشيخ جابر طايع، رئيس القطاع الدينى بوزارة الأوقاف، إن الوزارة لم ترد إليها أية شكاوى أو مكاتبات من أي جهة رسمية أو غير رسمية فيما يتعلق بانتهاكات أو اعتداءات تتعرض لها الآثار الإسلامية من مساجد وأضرحة خاصة التي توجد بين المقابر وفى المناطق العشوائية.، مضيفا: «لم يوجه أحد لنا اتهاما بالتقصير، ولم نتلق شكوى واحدة في هذا الشأن، لدينا إدارة أضرحة ولم تبلغنا بشىء من هذا القبيل».

وردا على وجود انتهاكات وتجاوزات رصدتها «المصرى اليوم» وتتعرض لها الآثار الإسلامية من مساجد وأضرحة أثرية وسط مناطق المقابر، قال طايع: «سنقوم من جانبنا بتشكيل لجنة ونعاين المنطقة، ثم نصدر تقريرا بشأنها بعد الانتهاء من أعمال المعاينة». وفى السياق ذاته، أكد الشيخ صبرى دويدار، وكيل وزارة الأوقاف، أن الوزارة تقوم بالنشاط الدعوى وإقامة الشعائر داخل المساجد الأثرية وأن دورها ينحصر في هذا النطاق فقط.

وفيما يتعلق بالإهمال الذي لحق الآثار الإسلامية ومسؤولية الوزارة عنه، قال دويدار: «لا أملك كوزارة أن أدق أو أخلع مسمارا، ولا حتى دهان مسجد، وكل دورنا هو إقامة الشعائر ليس أكثر من ذلك».

وأضاف: «دور الأوقاف تنظيف المساجد وتهيئتها للخطب، فدورنا هو الدعوة فحسب ولا علاقة لنا بمشاريع الترميم».

أما عن سبل إنقاذ الجبانة من تلك الأوضاع المتدهورة، فطالب الدكتور محمد حمزة إسماعيل الدولة بأن تحول وزارة الآثار إلى وزارة تفيد في الصناعة والاستثمار والاقتصاد، فالاستثمار ليس خدمات، بل رؤية وتنمية مستدامة، إذا تحققت هذه التنمية فإنها من الممكن أن تجلب لنا دخلا يفوق دخل قناة السويس، فمازالت الثقافة العمرانية السائدة في المجتمع السكانى لا تعرف قيمة الآثار.

كما اقترح عميد آثار القاهرة استحداث وزارة للتسويق والترويج تجذب استثمارات تنعش الناتج القومى، فدول أوروبية كثيرة تحقق إيرادات طائلة من وراء الاستفادة من الآثار المصرية في متاحفها، وهو ما يستلزم تطوير المناطق الأثرية من خلال خطط استثمارية تحولها إلى مزارات سياحية، فكيف يكون لدينا أكثر من ثلث آثار العالم، وليس لدى مصر سوى 7 مواقع فقط مسجلة على قائمة التراث العالمى.

وشدد على ضرورة أن تكون الآثار صناعة واقتصادا واستثمارا، وأن يكون وزيرها عضوا في اللجنة الوزارية الاقتصادية، مطالبا في الوقت نفسه بإنشاء قناة متخصصة عن الآثار، إلى جانب ضرورة وقف الهجرة الداخلية من الريف إلى العاصمة. وأعرب عن أسفه الشديد إزاء انعدام رؤية الدولة نحو الآثار فهى تعتبر وزارة خدمات وأن الناس تذهب للمناطق الأثرية كى تتنزه، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن أعمالا درامية تسىء للآثار أيضا وتصورها على أنها مجرد أماكن لملتقى العشاق.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق