اخبار اليوم المستشار أشرف العشماوي: أنيس منصور نصحنى بالاستقالة من «أمن الدولة» (حوار)

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

بالرغم من طبيعة مهام وظيفته رئيسا لنيابة أمن الدولة العليا وقاضيا على منصة المحكمة ومساعدا لوزير العدالة الانتقالية، وبينما كان منشغلا بالتحقيقات في قضايا الإرهاب والتجسس والتمويل الأجنبى، اعتاد أن يختلس قليلا من الوقت ليمسك بورقة وقلم، ليس ليفند أدلة إدانة أو براءة أو ليستجوب متهما أو يكتب مرافعة في قضية رأى عام، ولكن ليكتب أعمالا أدبية، قصصا وروايات، ثم يضعها في درج مكتبه خائفا من نشرها ورد فعل القارئ، إلى أن تقابل مصادفة مع الأديب الراحل أنيس منصور، التمس منه أن يقرأ رواية كتبها.. لكن الأديب الكبير لم يهتم، واعتبره إنسانا متطفلا، فقط أخذ أوراق الراوية على وعد أن يقرأها فيما بعد.. مرت الأيام والأسابيع وإذا بالهاتف يرن.. أنيس منصور يتصل، ويسأل: «هل أنت من كتب تلك الرواية التي أعطيتها لى؟».. فرد: «أيوه أنا». فعاود أنيس منصور بسؤال آخر: «ماذا تعمل؟». فرد: أنا رئيس نيابة أمن الدولة العليا. فرد منصور قاطعا: إذن عليك أن تستقيل من وظيفتك وتتفرغ للكتابة.. ثم أغلق الهاتف في وجهه.. وقتها قرر المستشار أشرف العشماوى أن يكتب دون خوف.. أن يكتب وينشر، وحسنًا فعل، فكتب حتى الآن 7 روايات تقريبا، منها (تويا) وتم ترشيحها لجائزة البوكر في 2013، و(البارمان).. وحصلت على الرواية الأفضل في 2014، والأخيرة (تذكرة وحيدة للقاهرة) وطبعتها الثالثة نفدت في أيام. بين القاضى ومحقق أمن الدولة والروائى الشهير دار حوارنا:

المستشار أشرف العشماوي رئيس نيابة أمن الدولة سابقاً

■ غالبا القاضى أو المحقق يغلب العاطفة أو الإحساس والخيال.. أما الروائى أو الكاتب، فالإحساس والعاطفة والخيال سلاحه الأول.. كيف تعامل أشرف العشماوى القاضى والروائى بين هذا وذاك؟

- أنا أفصل تماما بين عملى وبين الكتابة الأدبية وبمجرد الجلوس للكتابة أشعر أننى شخص آخر، وإذا ما كان القاضى يتعامل بالقانون والأديب بالخيال فإن العاطفة تضفى على الأحكام لونا من الرحمة المطلوبة، فالمذنبون بعضهم ضحايا لظروف اجتماعية، لا بد أن تؤخذ بروح القانون، والعدل أعلى قيمة من المساواة، ولن تصل له إلا بتغليب العاطفة والإنسانية بداخلك، ولكل قضية ظروفها. لكن يمكن القول إن الثقافة العامة وألوان الأدب وتذوق الفنون المرئية تجعل القاضى رحيما كاتبا أو قارئا.

■ هل أثر عملك في تحقيقات القضايا الماسة بأمن الدولة بالإيجاب أو السلب في رواياتك؟

- كل ما في تجربتى العملية أثر على بالإيجاب، لا يمكن إغفال أكثر من 25 عاما متصلة ما بين التحقيقات وقضاء الحكم وما بينهما من جهات انتدبت للعمل بها مثل هيئة الآثار المصرية ووزارة الثقافة ووزارة العدالة الانتقالية، كل هذه الخبرات المتراكمة أثرت بالطبع بالإيجاب، وساعدتنى في مشوار الكتابة وربما التأثير السلبى الوحيد مجازا هو تأخرى في نشر رواياتى وقلة عدد أعمالى بالمقارنة بسنوات كتابة طويلة، منذ 1999 حتى الآن.

■ بعض رواياتك استقيت منها حكايات حقيقية مرت عليك في عملك في السلك القضائى.. مثل «تذكرة وحيدة للقاهرة».

- أحد مشاهدها في المحكمة فقط مستوحى من قضية قديمة نعم، لكنها ليست منقولة أو مستقاة بالكامل، فأنا لا أنقل شخصيات حقيقية في رواياتى، ولا أستخدم نفس الخطوط الدرامية في الواقع على الإطلاق، كل ما هنالك أننى منذ أكثر من عشرين عاما مرت على قضية كنت فيها وكيلا للنيابة، وكان المتهم جزارا قطع يد أحد العاملين عنده، ثم ساومه لتغيير أقواله أمام القاضى، وأثناء الجلسة لاحظ القاضى أن ابن المجنى عليه ينتفض، ويبكى بكاء صامتا، كلما نظر نحو قفص المتهمين، فلما سأله القاضى حكى الطفل الواقعة الحقيقية، وتغير مسار القضية أو اعتدل بمعنى أصح مرة أخرى، أنا أخذت من هذه القصة بعض أحداثها، ووضعتها في رواية تذكرة وحيدة للقاهرة، لكنها الآن في الرواية مختلفة تماما عن سياق القضية الحقيقية. والرواية بالكامل خيال من تأليفى.

■ حققت أهم قضايا الإرهاب والرأى العام.. فما القضية التي تشعر بأنها قضية لها طابع خاص بالنسبة لك؟

- كل القضايا لها ذكريات معى، لكن الأكثر تأثيرا هي قضية عزت حنفى- خط الصعيد، كما كانوا يقولون، وبها تفاصيل مثيرة جدا ذكرت في أوراق التحقيقات وتفاصيل أكثر إثارة وخطورة.. أصر عزت حنفى على عدم ذكرها في أوراق التحقيقات. أذكر لحظة القبض على عزت حنفى، كنت أقف بصحبة قوات الأمن على أطراف الجزيرة، بصفتى ممثل النيابة، تمهيدا لعملية اقتحام الجزيرة، وكانت قوات الأمن تحاصر الجزيرة، وبالداخل كان عزت حنفى يحتجز الرهائن ومعه مئات من أنصاره المسلحين، وفجأة خرج حمار محمل بالبرسيم من الجزيرة وتسحبه سيدة، وبعد أن عبرت قوات الأمن فجأة صاح اللواء عدلى فايد، مساعد وزير الداخلية للامن العام وقتها، وطلب من قواته ضرب الحمار بالنار، ليسقط عزت حنفى من بين البرسيم الذي كان أعلى الحمار، وتبين أن تلك السيدة التي قتلت في تلك الواقعة كانت حبيبته وقد اتفقت مع عزت على تخديره ووضعه في شكل رقم 8 على الحمار ووضع البرسيم فوقه للهروب من حصار قوات الأمن. تلك تفاصيل وغيرها كثير لم ترصد في الأعمال الفنية.

■ تذكرة وحيدة للقاهرة.. هل وجدت فيها ما لم تستطع تحقيقه للنوبيين وقتما كنت مسؤولا عن ملفهم؟

- لا، لم أقصد ذلك على الإطلاق، هذه رواية لا أكثر، مجرد عمل أدبى خيالى لا علاقة له بالواقع أو بالملف النوبى من قريب أو من بعيد، حتى أحداث الرواية تنتهى عام 1980، صحيح أنا تأثرت بهم، وتعاطفت معهم، وبالتأكيد هم تعرضوا لظلم على مدار سنين، وضحوا بأرواحهم وبيوتهم وأرضهم من أجل قطرة ماء نشربها اليوم في بيوتنا، وربما كتبت الرواية بسبب زيارتى للنوبة منذ عامين، لكن بعيدا عن الرواية أنا راض تماما عما فعلته من أجلهم وانهيت الملف بتصور قانونى كامل قبل تركى وزارة العدالة الانتقالية، وليس لدى أكثر كى أقدمه، أنا أديت دورى وفقا للدستور والآن دور البرلمان سيناقش قضيتهم وفقا للدستور أيضا، ولا بد أن تكون لدى الدولة إرداة الآن لإصلاح ما أفسده الدهر على مدار مائة عام قدر ما تستطيع، أنا بصفة عامة حسن الظن، وما زلت متفائلا. أما الرواية فهى عمل خيالى بحت والنوبيون لم ينتظروا منى رواية أنا أكتب ما أشعر به.

■ زمن الضباع.. كانت الرواية الأولى على حد علمى منذ 6 سنوات تقريبا.. ماذا عن موهبتك الأدبية قبل ذلك.. هل كنت تحتفظ بما تكتبه لنفسك؟

- كنت أكتب ولا أنشر، وهو أمر أشبه بالألم بلا مسكنات، كان يراها بعض أصدقائى أو عائلتى فيقولون جيدة، لكن الأمر لم يعد يرضى طموحى.. كنت أريد النشر، وأخاف من مواجهة القراء، ومع الوقت شعرت أننى لن أستطيع الاستمرار في الكتابة، دون نشر ما أكتبه، الأمر بدا أشبه بأننى أئد أفكارى تباعا، فتوقفت مع نفسى وقررت النشر وخوض التجربة لنهايتها أيا كانت النتائج. كنت أحتاج دفعة أخيرة لأنطلق، وقد كانت.

■ هل كنت تشعر أنك ستصبح من أهم كتاب الرواية في مصر؟

- صدقنى لو قلت لك إننى لا أشعر بذلك حتى الآن، لا أضعه بمعنى أدق أمام عينى، ولا يشغلنى، بل بالعكس سيزداد شعورى بالمسؤولية لو فكرت فيه، وأنا بطبيعتى أقلق كثيرا من ذائقة القارئ، قبل كل رواية بما يكفى، أنا ما زلت هاويا من داخلى حتى لو اضطررت، لأن أكون محترفا رغما عنى بعد ست روايات وكتاب وثائقى.

■ ماذا عن حكايتك مع الأديب الراحل أنيس منصور؟

- هو صاحب فضل كبير في نشر أعمالى، تعرفت عليه في منتصف عام 2010 كنت أجلس بالمصادفة إلى جواره في حفل خاص بالمتحف الإسلامى وحدث أن انقطع التيار الكهربى فتبادلنا أطراف حديث عادى ووقتها انتهزت الفرصة وألححت عليه لكى يقرأ ما كتبته، كان متحفظا عصبيا في البداية، تململ وحاول الخلاص منى، لكن كانت معى نسخة بالسيارة من مسودة رواية زمن الضباع، أعطيتها له وكتبت اسمى ورقم هاتفى ومرت ثلاثة أسابيع ولم يتصل، شعرت بالطبع بإحباط شديد، لكن بعد خمسة وعشرين يوم اتصل بى الاستاذ أنيس منصور وفاجأنى بسؤال عن وظيفتى فقلت قاض بمحكمة الاستئناف، فقال اترك مهنتك واكتب روايات انت بتعرف تصنع رواية وعندك فكرة وحبكة ولغتك كويسة خسارة تضيع وقتك في الوظيفة، وبعدها أغلق الخط في وجهى حتى قبل أن أشكره! وبالطبع كان ذلك أكبر حافز للنشر، وتواصلت بعدها مع ناشرين كبار لمدة شهرين عن طريقه، إلى أن وقعت عقدا مع الدار المصرية اللبنانية ومازلت معهم حتى الآن وأعتبر نفسى محظوظا بالعمل معهم فهم الأكثر احترافية واحتراما في نظرى.

■ «تويا» وصلت لقائمة البوكر في 2013.. و«البارمان» كانت الأفضل في 2014.. هل تعتقد أن هذا نجاح سريع؟

- لا أعرف ما إذا كان نجاحا سريعا أم بطيئا، لكننى أراه كبيرا ومبهجا وجاء لى في وقته، منذ وصول رواية تويا لقائمة البوكر العالمية لأفضل عشرة روايات بالوطن العربى وقتها، وأنا أشعر بأننى بدأت مرحلة جديدة، لدى قراء، اهتم بى نقاد كبار وصحفيين متخصصيين، رواياتى تطبع بالآلاف، ترجمت بعض رواياتى، زادت المبيعات بشكل كبير جدا، الأمر اختلف وشعرت بمسؤولية زادت مع حصولى على جائزة من الدولة عن رواية البارمان التي فازت بجائزة أفضل رواية عربية عام 2014 وطبيعى أن أشعر بفخر فالقيمة المعنوية كبيرة وأنا في بدايات الطريق، حافز قوى للاستمرار وعلامة على أننى بطريق صحيح، المرحوم الأديب جمال الغيطانى قال لى بعدما نزلت من منصة التتويج وتسلمت الجائزة من وزير الثقافة وقتها، قال الجائزة بداية وليست نهاية يجب أن تكتب دائما أفضل مما سبق، ولو تعاملت معها بغرور وزهو لن تكتب بل سترتد للوراء، ولا أظن أننى اليوم بعد ثلاث سنوات ونصف من تسلمى الجائزة قد خذلت الأديب الكبير جمال الغيطانى.. على الأقل حتى الآن.

■ حققت مع كتاب ومؤلفين وقت أن كنت رئيسا لنيابة أمن الدولة العليا.. فما رأيك في مقاضات كاتب أو روائى.. بسبب رأى أو خيال؟

- في مرحلة من حياتى العملية كنت معنياً بالتحقيق في مثل هذه النوعية من الجرائم التي تخص الكتاب والمفكرين، وكانت التهم وقتها هي ازدراء الدين وتحقيره أو نشر دعايات مثيرة وأمور كاذبة أو خدش الحياء العام والإضرار بالآداب العامة، ولأننى أدركت هذا منذ البداية وعرفت أن بعضها يقدم من المؤلف نفسه بهدف الشهرة والبعض الآخر يهدف إلى التجريس أو امتصاص مشاعر غاضبة لا تستند إلى فكر يعينها، فقد نجحت في حفظ أكثر من أربعين بلاغاً على مدار سنوات طويلة لأسماء كان بعضها شهيرًا في وقته أو في زمن فات وربما الظروف خدمتنى وكنت موفقا لحد كبير. ومن بين كل هذه البلاغات، ولأسباب أخرى ربما أرويها يوماً ما، اضطررت لإحالة أحدهم للمحاكمة، بائع «بويات» متجول حصل على عضوية اتحاد الكتاب بالمجاملة وأصدر أربع مطبوعات أسماها روايات ليتطاول فيها على الله والرسل بأحط الألفاظ أملاً في إدانته من بعد محاكمته للحصول على اللجوء السياسى بدولة أوروبية. ورغم أننى خرجت عن النص وقتها وطالبت المحكمة بعدم عقابه، لكن لو عاد بى الزمن مرة أخرى لما أقدمت على تلك الخطوة ولكنت حفظت القضية أيضاً لتفاهته وضآلة حجمه والعبث الذي سطره. العيب في مواد بالية قديمة تحتاج لإعادة نظر لذا تجد الأحكام متفاوتة ونظرة وكيل النيابة في كل عصر تختلف بالضرورة بسبب أن مواد القانون مطاطة وواسعة فضفاضة ولابد من إحكامها وضبط صياغتها. وفى رأيى أن ما لا تدركه الغالبية منا جيدا أن القارئ في مصر لا يحتاج إلى وصاية من جهة رسمية ولا يثق إلا فيمن يختاره ويلجأ إليه طواعية إذا ما تشكك، ليستنير برأيه وليس ليجعله وصيا عليه، وأغلب الكتب والمطبوعات تعتمد على الذائقة الشخصية ولا تحتاج إلى وسيط. أما موضوع خدش الحياء العام والإضرار بالآداب العامة فساعة واحدة أمام بعض الفضائيات كفيلة بهتك عرض كل أخلاقياتك ومبادئك وكافية لإصابتك بدهشة تعقبها حيرة لتدخل بعدها في اكتئاب وبعضها يزدرى الدين بالمناسبة، ولو فكرت في أن تشكوهم فلن تسمع مجيباً للأسف الشديد.

■ «البارمان».. أشعر كقارئ بأنها تعيدنى إلى روايات نجيب محفوظ.. من حيث بطل القصة وأجواء السرد.. فهل هذا حقيقة أم لا؟

المستشار أشرف العشماوي رئيس نيابة أمن الدولة سابقاً

- والله هذا شرف لا أدعيه وشهادة بمكانة سامية أتمنى أن أصل يوما ما إليها، لكن الطريق طويل وأنا أريد حفر اسمى بأسلوبى وطريقتى، أشكرك على كل حال على رأيك، لكننى لا أملك إجابة أنا لا أستطيع تقييم أعمالى بالطبع.

■ ما هي الرسالة التي تلقيتها من رجل يعمل بارمان بعد تلك الرواية؟

- أرسل لى يقول إننى كتبت عنهم كما لو كنت واحدا منهم، هذه الكلمات تشعرنى بنجاح روايتى وصدق ما نقلته من خلال الرواية، وهو ما يؤكد أهمية البحث والمعايشة التي يتعين إجراؤها قبل كل رواية.

■ الأديب الراحل نجيب محفوظ قال «عندما أكتب لا أعبأ بأى شىء، أكتب وحسب».. هل تؤيد ذلك؟

- طبعا أؤيد جدا هذه المقولة، لو وضع الكاتب سقفا أو سياجا لكتاباته أثناء الإبداع سيتحول إلى موظف يكتب مقالا في جريدة حكومية يشيد فيها بإنجازات رئيس الحى. الإبداع خلق لحيوات وشخصيات وعوالم أخرى تماما لا ينبغى وضع حدود لها حتى لا تخرج مبتسرة أو مشوهة.

■ «زمن الضباع» كانت قبل ثورة 25 يناير.. وتضمنت جانباً من السياسة وأنت وقتها في السلك القضائى.. ألم تردد فيما بينك «فمن الأفضل الابتعاد عن السياسة» خاصة أنك حينما استخدمت أسلوب السرد على لسان حيوانات أنا كقارئ شعرت بأن «الخوف» كان يسيطر على عقلك.

- كان لدى خوف بالطبع، فالرواية صدرت قبل الثورة وأنا مثلى مثل آخرين أخاف البطش، فكتبتها برمزية وعلى لسان حيوانات، وراح كثير من القراء يفسرونها بعد القراءة، خاصة أنها بالفعل عن شخصيات حقيقية رأيت معظمها في مسيرتى الحياتية، لكننى سعيد بالتجربة لم أتردد كثيرا وقت النشر، لكن كان لدى بعض الخوف بالتأكيد.

■ لماذا استقلت من منصبك كمساعد لوزير العدالة الانتقالية؟

- أنا لا أصلح لمناصب سياسية على الإطلاق، ولم أكن أريد المنصب في الحقيقة، ولم أسع إليه إطلاقا، لكننى لم أندم على التجربة، فمن المهم رؤية المطبخ السياسى من الداخل على الأقل ليكون تقييمى للأمور عادلا فيما بعد، لكننى لم أستمر سوى بضعة شهور، أنا طلبت إعفائى من المنصب قبل تركه بشهر وقدمت استقالة للوزير كتبت فيها أننى أرغب في الاستقالة لأسباب صحية والحقيقة أننى كنت أريد أن أرتاح قليلا وأتفرغ أكثر للكتابة الأدبية، لكنه طلب منى الاستمرار مؤقتا فوافقت ثم قبلوا الاستقالة فجأة بعدها بشهرين تقريبا فامتثلت راضيا، لم يعد يشغلنى الأمر عن سبب تركى المنصب، لأننى في كل الأحوال كنت مرتاحا جدا للابتعاد عن المناصب السياسية وأنا راض عن نفسى تماما، هذا أمر يخصنى ويخص رغبتى في التفرع أكثر للكتابة الروائية، وربما غيرى يصلح ويجيد في هذه المناصب أكثر منى بكثير، أنا فقط أتحدث من منظور شخصى لا علاقة له بالمنصب أو إدارة الدولة. هناك من هم أكفأ وأفضل منى للمناصب وبصفة عامة أنا تشرفت بالعمل مع المستشار إبراهيم الهنيدى، وزير للعدالة الانتقالية، فهو رجل شديد الاحترام ومع زملاء مستشارين بعضهم من مجلس الدولة، أكن لهم كل الود والتقدير وسعدت جدا بفترة عملى معهم ومع كل العاملين بالوزارة وقتها.

■ أنت كنت المسؤول الأول عن تحقيقات قضية التمويل الأجنبى.. فما هي الحقيقة في ملف التمويل.. أو بمعنى آخر هل يمكن أن تُصنف لنا «أنواع الممولين»؟

المستشار أشرف العشماوي رئيس نيابة أمن الدولة سابقاً

- لم أعد أحب الحديث عن هذه القضية، البعض لا يريد أن يفهم، القضية انتهت منذ أربع سنوات وحكم فيها من القضاء بإدانة المراكز الأمريكية التي افتتحت مكاتب بالقاهرة بالمخالفة للقانون وقدمت تمويلا بمليار ونصف المليار تقريبا لجماعات الإسلام السياسى في مصر قبل برلمان 2012، إذن نحن كنا أمام جريمة من جرائم قانون العقوبات، القضية حكم فيها بحكم إدانة للمتهمين، صدر علانية ومتاح للكافة، أنا لا أفشى أسرارا ولم يكن عندى في الأوراق التي اختصصت بتحقيقها أكثر من مما سبق، وتركت القضية باعتذار رسمى مسبب لما سافر المتهمون الأجانب من مطار القاهرة وسلمته لرئيس مجلس القضاء وقتها، أما الآن فقد قرأت أن هناك تحقيقات جديدة تخص منظمات حقوق الإنسان المصرية وأنواع التمويل والممولين ولا أعرف مدى صحة الخبر، لذا من اللائق مؤقتا ألا أتحدث عن هذا الموضوع الآن حتى لا يفسر كلامى خطأ أو يؤثر على أي جهة. ولكن الحقيقة التي توصلت إليها هي أن الأحزاب ذات المرجعية الدينية حصلت على مليارات الأموال تمويلا من الخارج، وأن بعض الشخصيات العامة تعرضت للتشهير في تلك الدعوى.

■ القاضى أم الأديب.. في أيهما تشعر بالراحة؟

- القضاء مهنة جليلة سامية أنا فخور بانتمائى للقضاء وراض تماما عما أديته طوال أكثر من خمسة وعشرين عاما بالنيابة العامة ومحاكم الجنايات، رغم أنها مهنة صعبة ومجهدة بدنيا ونفسيا، لكن فكرة تغليب العدل تروق لى وتناسبنى، مع أن قضاء الحكم من أصعب القرارات التي يمكن للمرء اتخاذها، لكن الأدب والكتابة الروائية أمر آخر تماما، عالم ساحر من خيال وحيوات أخرى أعيشها كل مرة، الكتابة سر الحياة وإحدى وسائل الخلود من خلال ما كتبت. أنا الآن لا أتخيل أننى يمكننى العيش دون الكتابة.

■ كلمنا عن عائلتك.. وهل هناك من سبق أن دخل سلك الأعمال الأدبية؟

- نعم عائلتى بها كثيرون كتبوا ونشروا في مجالات مختلفة، جدى لأبى محمد العشماوى كان وزيرا للمعارف العمومية وقبلها مديرا لجامعة فؤاد الأول ونشر كتبا قانونية كثيرة وله مؤلف لا يزال يدرس حتى اليوم بكلية الحقوق وله كتابات عديدة عن الأخلاق والقيم المجتمعية والتعليم في مصر، وأبى الدكتور عبدالوهاب العشماوى كان أمينا عاما مساعدا لجامعة الدول العربية وقبلها سفيرا بالخارجية وكتب سيرة ذاتية عن فترة عمله بالجامعة مع ثلاثة أمناء لها كما كتب أبحاثا منشورة عن الجريمة والعمل الاجتماعى لمكافحتها والوقاية منها وله كتابان أيضا يصنفان كأدب ساخر نشرا في الثمانينيات، أيضا ابنة عمى أمانى العشماوى أشهر مؤلفة كتب أطفال في الوطن العربى ونشرت عشرات الكتب في مجالها ونالت جوائز عن بعضها وابنة أخى الأكبر بريهان عمرو العشماوى فنانة تشكيلية لها أكثر من معرض دولى ولوحات فنية باعت الكثير منها خارج مصر.

■ هل من الممكن أن تكتب «مذكرات محقق أمن الدولة»؟

- أنا عملت لفترة من حياتى محققا بالنيابة العامة في الجرائم الماسة بأمن الدولة ومنذ عام 2007 وأنا أعمل بمحاكم الاستئناف، ولا أفكر حاليا في كتابة مذكرات من أي نوع، أنا وقتى موزع بين عملى بالمحكمة وبعدها أكتب رواية ولا شىء آخر.

■ هل من الممكن أن تتحول إحدى رواياتك إلى عمل تليفزيونى أو سينمائى؟

- بيعت غالبية رواياتى لتحويلها لأعمال درامية من خلال ناشرى المصرية اللبنانية، لكن للأسف لم يظهر أي منها على الشاشة حتى الآن، في البداية كنت سعيدا ومتشوقا لظهور رواياتى على الشاشة، الآن وبعد ما رأيته من أعمال تم تحويلها مؤخرا منقولة من أعمال أدبية لم أعد متحمسا، من الأفضل أن تظل رواياتى كما هي، أبطالها كما هم في خيال القارئ وكما تخيلتهم أنا قبلهم، الدراما قد تفسد العمل الأدبى في كثير من الأحيان، لذا فقدت الحماس ولم أعد أنتظر بشغف تحويل أي منها للسينما أو التليفزيون، بل أحيانا أتمنى لو أنها حولت لمسلسل إذاعى وقد أبدو بهذا التفكير قديما غير مواكبا للعصر، لكننى حتى الآن أحب الدراما الإذاعية جداً.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق