انفراد.. «الشروق» تحاور إخوان المراجعات فى السجون: مناهج خلطت بين نصوص الدين المقدسة وأدبيات التنظيم

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اضغط علي زر اعجبني ليصلك كل جديد علي الفيسبوك

• أجهزة الدولة تواصلت معنا وتأكدت أن المراجعات ليست مناورة للخروج من السجن
• تصورات البنا لدولة الخلافة جعلت فى نظر معظم الإسلاميين دار حرب وليس دار دعوة
• المرشد الأول أسس كيانًا موازيًا للدولة ووضع دعائم تنظيم شمولى عادَى أنظمة الحكم المتعاقبة
• مكتب الإرشاد تحكم فى مرسى بشكل جعله عاجزًا عن إدارة مؤسسة الرئاسة
• أداء الجماعة وهزائمها المتكررة دفعتنا للخروج النهائى من التنظيم ومراجعة أدبياته
• لو عادت بنا الأيام لما شاركنا فى اعتصامات الميادين.. واعتمدنا على كتابات العثمانى والأزهرى والغنوشى فى مراجعاتنا
• المراجعات مصطلح سيئ السمعة عند قيادات الجماعة.. وبعضهم يناصبنا العداء بسببها


أطلقت أخيرا مجموعة من شباب جماعة الإخوان فى السجون الصادر بحقهم أحكام قضائية بالمؤبد، وبعضهم على ذمة الحبس الاحتياطى ــ مراجعات فكرية وسياسية لجميع مواقف ومناهج الجماعة، تناولوا خلالها نقدا لأفكار الجماعة وأدبياتها، وامتدت إلى مبادئ مؤسس الجماعة حسن البنا.

«الشروق» تواصلت مع 5 من الشباب الذى عكفوا على صياغة تلك المراجعات على مدى العامين الماضيين، وهم حمزة محسن الذى يقضى عقوبة المؤبد فى سجن الفيوم العمومى منذ أغسطس 2013 فى القضية 96 عسكرية، وعمرو عبدالحافظ وعماد على وأحمد حميدة وأحمد عبدالحافظ الذين لايزالون قيد الحبس الاحتياطى بسجن الفيوم العمومى على ذمة القضية 1747 لسنة 2014 جنايات مركز الفيوم.

المراجعات التى أعدها هؤلاء الشباب انتشرت بين عدد كبير من كوادر التنظيم داخل السجون، ولاقت تجاوبا من أجهزة الدولة التى سعت لمناقشتهم بشأنها والتأكد من عدم كونها مناورة فقط للخروج من السجن، بحسب ما أكدوا لـ«الشروق».

«الشروق» تمكنت من التواصل مع هؤلاء الشباب للوقوف على تفاصيل المراجعات وأسسها الفكرية، ونقلت إجاباتهم كما هى دون تصرف.

• فى البداية من أنتم، وكم عدد أعضاء الجماعة الذين أعلنوا تبنى تلك المراجعات؟
ــ الشاب حمزة محسن قال: نحن مجموعة من الشباب السجناء فى سجن الفيوم العمومى اتخذنا قرارنا بالانفصال عن القرار السياسى لجماعة الإخوان، بعد مراجعات جادة وعميقة لمواقف وممارسات الجماعة فى الأعوام الأخيرة، وعددنا فى تزايد مستمر لدرجة يصعب معها حصره خاصة أن رؤيتنا طرحت على شباب فى سجون أخرى وأعلنوا عن قناعتهم بها.

• هل الرؤية التى تطرحونها هى مراجعة لمواقف الجماعة السياسية فقط، أم أنها مراجعات فكرية تتطرق للمناهج والمبادئ الأساسية للجماعة؟
ــ الشاب عمرو عبدالحافظ قال: نواة هذه المجموعة الكبيرة بدأت ممن كانوا ينتمون تنظيميا إلى الإخوان، وكان قرار خروجنا من الجماعة عقب قيامنا بتقييمات للأداء الإخوانى الذى اتسم بالهزائم المتكررة، وهو ما دفعنا للبحث فى القناعات الخاطئة التى انتجت تلك الممارسات الكارثية، لينتهى بنا الأمر أخيرا بعد نحو العامين من البحث بمراجعة عميقة وشاملة لأفكار مؤسس الجماعة حسن البنا التى شكلت جوهر الخلل عند أتباعه وجعلتهم يتجرعون الهزائم المتلاحقة، ولم نقم بإعلان مراجعاتنا إلا بعد أن اختمرت أفكارها فى أذهاننا بعد رحلة طويلة من البحث والنقاش والمدارسة.

• على ذكر حسن البنا.. ما هو موقفكم من أفكاره باعتباره مؤسس الجماعة؟
ــ الشاب حمزة محسن قال: نظرية التغيير التى انتهجها كانت ولاتزال غير واقعية بدرجة يستحيل تطبيقها فى هذا العصر؛ فهو يراهن على أتباعه الذين سينتشرون فى الربوع ليستميلوا الناس نحو فكرة التنظيم بواجهات دعوية وخيرية، ومن ثم تتكون كتلة حرجة حددها هو بعدد معين، ومن حولها دوائر تأثير تدور فى فلكها؛ الأمر الذى يكفى ليتحرك بعدها التنظيم المتوغل هنا وهناك صوب «أسلمة» الكون من حوله؛ بدءا من الفرد والأسرة ثم المجتمع مرورا بتحرير الأوطان من المستعمر وصولا إلى الحكومة والخلافة وأخيرا أستاذية العالم.

وهنا يتمثل الخلل فى كون البنا أراد تنظيما قويا يحل بديلا عن المجتمع، أو ــ فى أحسن الظنون ــ أراد مجتمعا داعما لرؤيته ومساندا لتنظيمه؛ كان ذلك الرهان على التنظيم ــ الذى سيعيد مجد الإسلام ــ من وجهة نظره واضحا جدا فى إنكاره أمر التعددية الحزبية وإيمانه بفكرة الحزب الواحد.

أيضا مركزية وجود السلطة ووجوب السعى نحو الحكم فى خياله، كانت حاضرة بقوة؛ وهو ما أدى إلى إهمال منهجى للمجتمع ــ على اتساعه وأولويته وتعدد أوجه العمل من أجله ــ على حساب الدولة التى استحوذت عليه فكرة السيطرة عليها لتحقيق أهدافه.

أيضا من أخطائه المنهجية بناء التنظيم بصورة شمولية غير متخصصة تتكرر بسببها الصراعات مع الأنظمة المتعاقبة؛ فتنظيم الإخوان مثلا به لجان وأقسام مختلفة (بر، وأعمال خيرية، ونشر قيم وأمور دعوية، وإعداد وتأهيلات تربوية وحزبية، ومشاركة سياسية)، ولكن أيا من تلك الأقسام غير مقنن ولا يخضع لرقابة الدولة وسيطرتها؛ وهو ما يجعل التنظيم فى نظر الحكومات المتعاقبة كيانا موازيا لأجهزة الدولة، وفى نظر المتابعين أصبح دولة داخل الدولة.

• وما هى باقى الأفكار الخاطئة من وجهة نظركم التى أطلقها البنا والتى طالتها مراجعاتكم؟
ــ الشاب عمرو عبدالحافظ قال: تلك المراجعات جعلتنا نكتشف الكثير من الحقائق الصادمة، والتى كانت بالنسبة لنا فى السابق بمثابة قناعات مغلوطة كنا من أشد المعجبين بها وعلى استعداد تام للدفاع عنها قبل أن تتسبب فى ممارسات كارثية واكتشاف زيفها.

كان فى مقدمة تلك الأفكار ما صاغه حسن البنا فى مشروعه، وهو مركزية الحكم، ووجوب السعى لتطبيق «الخلافة»؛ ما نتج عنه تهميش واضح للمجتمع على حساب الدولة، وما جعل العالم فى نظر معظم الإسلاميين دار حرب وليس دار دعوة، وهو ما دفع الأنصار لمحاولة السيطرة على المجتمع وليس رفع شأنه، وأنتجت تلك الأفكار مفاهيم مشوهة حول أشكال «التعددية» وحقيقة «المواطنة» ومفهوم «الأمة» وغيرها.

إضافة إلى ذلك كان هناك خلط عجيب بين نصوص الدين المقدسة التى تخص الأمة، وبين أدبيات التنظيم؛ ذلك الاجتهاد البشرى المحدود، وكذا تقديس الأشخاص على حساب المبادئ.

• هل هناك مصادر معينة اعتمدتم عليها للوصول لتلك الأفكار؟
ــ الشاب عماد على قال: بالفعل قرأنا آلاف الصفحات، واطلعنا على كتابات عديدة لمفكرين مثل د. عبدالله النفيسى، ود. خالص جلبى، ود. جودت سعيد، والشيخ راشد الغنوشى، ود.محمد عمارة، ود.محمد سليم العوا، والمستشار طارق البشرى... وغيرهم، ولكن أكثر الكتب التى مست جوهر مراجعات أفكار البنا كان كتاب (أزمة التنظيمات الإسلامية ـــ الإخوان نموذجا) للدكتور جاسم سلطان. أيضا كتابات د. سعد الدين العثمانى فى الشأن السياسى شكلت كثيرا من قناعاتنا، بالإضافة إلى كتاب «الحق المبين» للدكتور أسامة الأزهرى الذى يفكك بشكل علمى رصين أفكار سيد قطب.

• وما هو تقييمكم لفترة حكم الإخوان؟
ــ الشاب عماد على قال: لا يصح أن نقيم النتائج والمآلات من دون النظر فى الأسباب والمقدمات؛ فالرئاسة كما وصفها الكاتب فهمى هويدى كانت فخا للإخوان سقطوا فيه بمجرد إعلان ترشحهم للمنصب.

الإخوان لم ينتصحوا ولم يسمعوا للأصوات العاقلة التى حذرتهم حينها من خطورة الأمر، وغامروا بالترشح بدون أية دراسات علمية، واستندوا فقط إلى مؤشرات ترجح احتمالية فوزهم بالكرسى، فى سذاجة مفرطة بأمور السياسة.

• هل كان فشل تجربة حكم الإخوان حتميا؟
ــ الشاب حمزة محسن قال: فى ظل منظومة الأفكار التى تخلط بين الدين والتنظيم، وتستعلى على المجتمع وعلى الناصحين من أبنائه، وترتجل الأداء السياسى، وتتفنن فى الصدام ودخول المعارك الصفرية، وتوهم أتباعها بأن صراعاتها عقائدية على الهوية والدين فى حين أنها صراعات سياسية بالأساس ــ فى ظل منظومة الأفكار تلك؛ فإن الفشل المتكرر سيكون نتيجة طبيعية جدا، خاصة بعد تحكم مكتب الإرشاد فى مرسى وتقييد تحركاته بشكل كبير عجز معه عن إدارة مؤسسة الرئاسة.

لكن الأهم هو أنه كانت لديه فرصة ذهبية لإنهاء الصراع الجارى قبل بدايته؛ وذلك بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة تحافظ على المسار الديمقراطى وتحقن الدماء، تماما كما فعل نجم الدين أربكان فى تركيا فى العام 1997.

• فى رأيكم ما الذى منع مرسى من إجراء الانتخابات المبكرة؟
ــ الشاب عماد على قال: إنها منظومة الأفكار التى يحملها معظم أفراد التنظيم؛ أفكار تحجب استشراف المستقبل والتنبؤ بما فيه؛ فعندما يرى صاحب الأيديولوجيا الأمور من خلالها فقط، فإن الصراعات تكتسب بعدا عقائديا لا مرونة معه؛ فيحتمى بتنظيمه ويتوهم التأييد الإلهى مادام هو من عباد الله المؤمنين، كما أنه يرى الجماهير المساندة صمام أمان لخياله السياسى المعدوم.

• لو عاد بكم الزمن هل كنتم ستشاركون فى الاعتصامات التى نظمتها الجماعة وأنصارها فى الميادين للمطالبة بعودة مرسى؟
ــ الشاب أحمد عبدالحافظ قال: بالطبع لو عادت بنا الأيام وبين أيدينا تلك المراجعات لما شاركنا فى الأمر ولشاركنا الناصحين حينها ما يقولون، ولكن تجارب الفشل تأتى دائما لتعلم الإنسان ألا يندم على ما فات، ولكن تدفعه لمراجعة أخطائه والإفادة منها قدر وسعه.

• الجبهة الشبابية فى جماعة الإخوان أطلقت مراجعات فكرية.. فما الفرق بينكم وبينهم؟
ــ الشاب حمزة محسن قال: نحن استقلنا وخرجنا تماما من الإخوان بقرار نهائى لا رجعة فيه، ولا ننتمى تنظيميا لأى من الجبهتين فنحن أدركنا مآلات الصراع وما يترتب عليه من دماء تزهق يوميا بسببه، فقررنا إنهاءه تماما من طرفنا بعد مراجعة لأخطائنا باعتبارنا طرفا فيه.

• وماذا عن المناهج التى يتم تدريسها داخل الإخوان؟
ــ الشاب أحمد حميدة قال: المحتويات التى يتم تناولها داخل المحاضن التربوية للجماعة سطحية ومترهلة للغاية؛ فهى تتناول أمورا شرعية بالكاد تقيم صلب «داعية» مبتدئ؛ ولكنها لا تناسب تنظيما شموليا بهذه الأهداف الضخمة.

كما أنها لا تتناول أمور النقد الذاتى بأى درجة، ولا تولى أمر السياسة اهتماما كعلم له أصول وقواعد، وبالطبع فإن تلك المحتويات تتعامل مع اجتهاد مؤسس التنظيم على أنه من المسلمات التى يتم معه تداول رسائله بذات الجمود والحرفية؛ لتكون المحصلة فردا ضيق الأفق مرددا للشعارات الرنانة، ومشحونا بعاطفة دينية تجعله يأتمر بأمر التنظيم تحت دعوات «تحكيم الشريعة».

• هل ترون أنه تمت التضحية بالشباب فى الصراعات الدائرة؟
ــ الشاب حمزة محسن قال: الشباب والشيوخ وكل من يدورون فى فلك قرارات الإخوان جميعا دفعوا ثمن رعونة القيادات وسوء تقديراتهم وخصامهم مع الواقع.

• من وجهة نظركم كيف يكون المخرج من الأزمة الراهنة ؟
ــ الشاب عمرو عبدالحافظ قال: الحل فى المراجعة الفكرية الجادة للأفكار التأسيسية للجماعة، ومن ثم حل ذلك الكيان الشمولى وأن يستبدلوا به مؤسسات متخصصة مقننة تمارس أنشطتها وفق الدستور وتحت مظلة الدولة، وأن يدرك الإخوان جيدا أبعاد الواقع؛ فيكفوا عن التحليق فى سماء الأمانى والوهم.

• هل تملكون حلا لوقف عمليات العنف التى ينتهجها عدد من شباب الجماعة ضد الدولة؟
ــ الشاب حمزة محسن قال: من يقول إنه يملك لهذا الأمر حلا نهائيا فهو واهم؛ فحتى الحلول الأمنية القاسية ليست إلا مسكنات تحاصر الألم ولكنها لا تنهيه.

ما نملك فعله هو الإسهام فى تفكيك حزم الأفكار المتطرفة التى تغذى الإرهاب وتدعم العنف، أيضا نحن ندعو مؤسسات الدولة إلى فتح متنفس يستطيع الشباب تفريغ طاقاتهم من خلاله.

• هل هناك أجهزة فى الدولة تجاوبت مع تلك المبادرة والمراجعات للتوسع فيها؟
ــ الشاب حمزة محسن قال: بالفعل تواصلت معنا بعض الجهات المعنية وأبدت تجاوبها المبدئى مع طرحنا، بعد أن تأكدوا من أنها ليست مناورة للخروج من السجن فقط، ونعتقد أن المستقبل سيكون حافلا بمزيد من التطورات الإيجابية.

• بشكل عام، كيف استقبل أعضاء الجماعة فى السجن هذه المراجعات؟
ــ عمرو عبدالحافظ قال: فيما يتعلق بمراجعات المواقف السياسية للإخوان ــ والتى تنتهى بضرورة إنهاء الصراع الحالى بطريق التسوية السياسيةــ فإن لها تيارا عاما مساندا وقبولا واسعا جدا بين السجناء. أما المراجعات الفكرية للأفكار التأسيسية للجماعة فمن الطبيعى أن يكون الإقبال عليها أقل، ولكن نشاطنا وتأثيرنا من خلال النقاشات وتداول الكتب لا يتوقف.

• وما هو موقف قيادات الإخوان فى السجن منها؟
ــ الشاب حمزة محسن قال: كلمة «المراجعة» بين صفوف الإخوان فضلا عن قيادتهم تحمل سمعة سيئة؛ فتجد معظمهم ينفرون منها، بل تصل بهم الأمور أحيانا إلى نصب العداوات ضد أى دعوات للمراجعة، لكن مع النقاشات الهادئة المستمرة وتزايد أعداد المقتنعين بالمراجعة تضطر القيادات للاستجابة للأمر.

المصدر : بوابة الشروق

أخبار ذات صلة

0 تعليق