اخبار اليوم حياة تافهة

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

المقود تحول فى يديه إلى ماء. والسيارة تدور حول نفسها. الإطار الأمامى انفجر. غير معقول أنه الموت الذى أنفق عمره يتحسب له! لكن السيارة تنحرف. تميل على جنبها، تتجه صوب المنحدر. يضغط بقدمه مستميتا على الفرامل. يحاول بكل ما يستطيع.

■ ■ ■

-١-

يمسك المقود، شاردا فى المدى أمامه. تتعاقب أفكاره، فكرة بعد فكرة. غادر المصيف بعد صلاة العصر، وعليه أن يصل القاهرة قبل الغروب. لا يحب القيادة فى الليل. لا شيء أجمل عنده من نور الشمس حين يكشف كل شيء. الليل هو الغموض والخطر. لا بد أن الإنسان الأول تشكلت أساطيره طبقا لهذا الفارق الواضح بين الليل والنهار. فى الليل أشباح غامضة وأصوات غصون تتكسر وخطر يقترب. لا بد أنهم كانوا لا ينامون فى الليل. وهكذا بحثوا عن قوى سحرية تحميهم من أخطار الليل. وتعلموا كيف يصنعون القرابين للقوى الخفية التى اخترعوها.

انطلقت من شفتيه سبة حين كادت تصدمه شاحنة ثقيلة مكونة من مقطورتين. ربما شرد بأفكاره وانحرفت السيارة منه دون أن يدرى. فلينتبه وليكف عن هذا الشرود اللعين.

■ ■ ■

-٣-

الغروب يقترب. لكن الأمل موجود أن يلحق بآخر ضوء من الغروب عند دخول المدينة. هذا ألعن وقت فى اليوم كله. أسوأ من الليل الحالك. لا بد أن هناك تفسيرا فيزيائيا ما. ربما تشتت الأضواء هو التفسير. لشد ما يتمنى لو كان عالما فى العلوم الطبيعية لعله يستطيع أن يفض جانبا من غموض الكون. لكنه متوسط الذكاء! باهت وضعيف الموهبة! وحياته بائسة وغير سعيدة. وبرغم ذلك يحرص على الحياة. وإلا فلماذا يحرص على القيادة فى ضوء النهار؟ أغلب الظن أنها الغريزة التى تشاركه فيها جميع الكائنات. ألم تر إلى الصرصور وهو يفر مذعورا إذا أُضيئت الأنوار برغم أنه ينفق عمره فى البلاعات!

وربما خوف الحساب القادم. هو أدرى الناس بالذى فعله. الأفكار صارت سيئة ومقبضة. فليفكر فى شيء آخر.

هز رأسه عدة مرات كأنما ينفض عن رأسه هذه الأفكار.

■ ■ ■

-٢-

يخطط عندما يصل أن يمر فى طريقه على المحل الكائن فى أول الشارع الذى يسكن به، ويبتاع وجبة دسمة. يعرف أنه سيصل متعبا ولكن ما أجمل الحمام الساخن تعقبه وجبة عشاء. سيشاهد فيلما بعده أعده بعناية.

لا ينكر أنه سعيد بذلك. المتع الصغيرة هى التى تلون حياتنا وتجعلنا نحتملها. ياه! لا يصدق أنه عاش كل تلك السنين، انقضت فى لا شىء. لا يذكر إلا رؤوس المواضيع. لكن أن يذكر تفاصيل يوم بعينه فهذا مستحيل!

خذ عندك مثلا: ٣ فبراير ٢٠٠٣، ماذا حدث فى هذا اليوم؟ أغلب الظن أنه لم يحدث شىء. استيقظ. حلق ذقنه أمام المرآة. نزل. فعل الأشياء التى اعتاد فعلها فى كل يوم. ثم عاد فتناول الطعام ونام. مؤلم أن ينفق كائن قصير العمر أيامه دون شأن مهم! يرسم لوحة! يكتب قصيدة! يكتشف جانبا مجهولا من ذلك الكون الذى يتحسسه أعميان فيظن الأول أنه عمود ويظن الثانى أنه مروحة. والحقيقة أنه فيل! فيل!!

■ ■ ■

-٤-

فى لحظة خاطفة، نعم خاطفة، لم يستغرق الأمر كله إلا ثوانى معدودات! شىء خفى دفعه أن ينظر للمرآة الخفية. لا يدرى ما هو هذا الشىء. ربما الحاسة السادسة التى تنذرك بالخطر. كانت الشاحنة تقترب منه بسرعة مخيفة. أدرك بلا أدنى شك أنها ستصطدم به. سمع صوت انفجار هائل. تشبث بالمقود بكل قوته ولكن...

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق