اخبار اليوم فاروق شوشة وذكريات الإذاعة المصرية

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

علاقة وثيقة ربطتنى بالإذاعة المصرية لثلاث سنوات على الأقل خلال المرحلة الثانوية، كانت الإذاعة تكاد تكون وسيلة التعلم والتثقيف الأولى لدىّ. نشأتُ فى بيتٍ مُحب للراديو. أبى لفت انتباهى إلى كونه مدرسة كُبرى للمعارف. أمى كانت تحرص، وما زالت، على أن يُصاحبها صوتُ الراديو فى كل أنشطتها المنزلية. لم يكن الحال يختلف كثيراً فى أغلب البيوت المصرية. آية ذلك أننا كنا نمارس لعبة فى المدرسة الثانوية تختبر قوة معرفتنا بالأغانى، كأن يقول واحدٌ: هو صحيح الهوى غلاب؟، فيكون على اللاعب التالى أن يأتى بأغنية تبدأ بحرف الباء الذى انتهت به كلمة «غلاب».

بالطبع ضمرت حصيلتى اليوم، ولكنى ما زلتُ قادراً على أن أكتب بسرعة: «بتلومونى ليه؟»، أو «بتسأل ليه علىَّ؟»، أو «بنادى عليك».

لعبةٌ كهذه لا يكون لها محلٌ سوى فى مُجتمعٍ تتوافر بين أبنائه «أبجديات مُشتركة». الإذاعة كانت عاملاً رئيسياً فى توفير هذا المُشترك. الراديو مجانى. يُمكن أن يُصاحبك فى أى مكان. لا تحتاج لأن تتفرغ له بكل حواسك. بإمكانك الاستماع إليه وأنت فى الطريق، أو فى نوبة حراسة، أو فى تاكسى، أو على المقهى. عصبُ الإذاعة هو الموسيقى والأغنيات التى تتسلل إلى آذاننا فى أغلب مراحل اليوم. الأغنيات هى الموسيقى التصويرية المُصاحبة لحياة الكثير من المصريين. الكاتب عمر طاهر التقط هذا المعنى وبلوره فى كتاب بديع بعنوان: «إذاعة الأغانى: سيرة شخصية للغناء». لاحظ طاهر أن الكثير من تجارب حياته الفاصلة ترتبط بأغنية تتناهى إلى سمعه من هذا المذياع أو ذاك الكاسيت.

اليوم، اختلفت الصورة. اليوتيوب و«الفلاشة» والهاتف النقّال صارت هى من يحمل لنا الأغنيات التى نُريد فى أى وقت سماعها. ولكن بالأمس كان المذياع هو المصدر الوحيد تقريباً للنغم فى حياة الغالبية الكاسحة من المصريين. المذياع يُجبِّرك على الاستماع إلى تشكيلة واسعة من الأغنيات والمُطربين، وليس فقط من هم على هواك. تتعلم أن تُميِّز الكثير من الأصوات. تتعرف أيضاً على أسماء المُلحنين والمؤلفين. يتراكم لديك بالتدريج شغفٌ بعالم الغِناء نفسه. ربما ينتقل الشغف إلى مرحلة الولع فتسعى - مثلما حدث معى - إلى تعلُّم آلة موسيقية.

من إذاعة البرنامج العام تعلمتُ كل ما أعرفه تقريباً عن الموسيقى العربية. واظبتُ على «غوّاص فى بحر النغم» كل أحد. أحياناً كنتُ أضبط نفسى أتكلم مثل الأستاذ عمار الشريعى وهو يُحلل الأغنيات ويُرشدنا إلى منابع الجمال فى ثناياها. من خلال «غواص» عرفتُ، لغرابة الأمر، أن محمد فوزى هو ملحن «ساكن فى حى السيدة» لعبد المطلب، وأن منير مراد هو مُلحن «كعب الغزال» لمحمد رشدى (تصور!)، وأن أم كلثوم ليست أول من غنى «على بلد المحبوب»، وإنما مطرب آخر شعبى هو «عبده السروجى» (صاحب أغنية «غريب الدار» الشهيرة). برنامج عمار الشريعى جعل من مستمعى الراديو سَمّيعة. صنع منهم جميعاً مُحللين موسيقيين! إذا أضفت إليه «ألحان زمان» (هالة الحديدى)، وبرنامج «من تسجيلات الهواة» و«تسجيلات من زمن فات» (مُشيرة كامل).. تتكون عندك معرفة مُكتملة بالموسيقى العربية، من ناحية تاريخها ومراحلها والقُدرة على تذوقها والاستمتاع بها.

لا أستطيع أن أتوقف عند كل البرامج الإذاعية التى أسهمت فى تكوينى. بعضها سقط من الذاكرة للأسف. غير أننى أذكر جيداً أن «زيارة لمكتبة فلان» (نادية صالح)، و«شاهد على العصر» (عمر بطيشة) أسهما بقسطٍ كبير من معرفتى بالحياة الأدبية فى مصر. ما زالت زيارات البرنامج لمكتبات يحيى حقى ونجيب محفوظ وصلاح جاهين وتوفيق الحكيم وخالد محمد خالد محفورة فى الذاكرة. حلقة نجيب محفوظ تحديداً كانت بلا نظير. قال الرجل بتواضع إنه يقرأ أكثر من كتاب فى نفس الوقت، وأن هذه عادة قديمة لديه. ماذا كان يقرأ ساعتها؟ رواية مُعاصرة بالفرنسية، وكتابا فى علم النفس، وآخر فى التاريخ الطبيعى، أما الكتاب الرابع فهو «الإسلام عقيدة وشريعة» للشيخ شلتوت.

قال محفوظ إن الأدب، مع تقدم العمر، صار آخر ما يُثير انتباهه، وأنه صار أكثر شغفاً بكتب تبسيط العلوم. استغربتُ هذا التصريح من رجل صنعته الأدب، وتمرُ الأيام فأدركُ مغزاه.

وكيف أنسى الحلقة التى احتفل فيها توفيق الحكيم وكمال الملاخ بعيد ميلاد نجيب محفوظ؟، لأول مرة، أدرك أن أدباءنا الكبار هم أيضاً متكلمون كبار وظرفاء حاضرو البديهة. كل كلمة يلفظونها، ببساطة، تقطر فناً وسحراً. لأول مرة، أتعرّف على ضحكة محفوظ الشهيرة التى تفيض عذوبةً وصدقاً ومحبة للحياة. فى الراديو، صار الأدباء قريبين من أذنى. وكما قال الشاعر فإن «الأذن تعشق قبل العين أحياناً». الاستماع إلى الإذاعة بعكس مُشاهدة التلفاز، يُطلق لدى المُتلقى طاقات الخيال والتصور. يحمله على الإنصات بتركيز أكثر إلى الكلمات. إلى الأصوات والمقاطع والنغمات. المُستمع يتأمل أكثر من المشاهد. يرتبط بالكلمة لا الصورة.

مناسبة هذا المقال هى اختفاء واحد من الأصوات القريبة إلى الأذن والعقل والقلب فى الإذاعة المصرية. فاروق شوشة، الذى غيّبه الموت منذ أيام، كان أستاذاً للكثير من المُستمعين الذين ارتبطوا بصوتِه وأسلوبه فى إلقاء الشعر فى برنامج «لغتنا الجميلة». هذا البرنامج كان حصناً حصيناً لحماية العربية. مدرسة للتدريبِ على تذوق الجمال. أدين بالكثير لشوشة، ولزمنٍ كنتُ أستمع فيه إلى «قطوف الأدب من كلام العرب»، و«قال الفيلسوف»، و«كتابٌ عربىٌّ علَّم العالم»، وغيرها من برامج الإذاعة التى تُعنى بإحياء التُراث.

من أسفٍ أننى ارتبطتُ بشوشة فى هذا الجانب فقط، كمُعلم نادر للكلاسيكيات وتذوق الشعر، سواء فى الإذاعة أو فى مقالاته الشهرية فى مجلة العربى الكويتية. ويقينى أن الكثيرين غيرى أقدر على رثاء الرجل وتعداد إنجازاته المختلفة التى أسهم فى كل منها بنصيب وافر ومُقدّر. على أننى قصدتُ أن أرثى من خلاله زمناً كانت الإذاعة فيه مدرسة، بل جامعة تعزز لُحمة المُجتمع، وتربط الناس بتراثهم ولغتهم. سقى الله هذا الزمن، ورحم شوشة وجزاه خيراً!

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق