اخبار اليوم مذبحة الهليكوبتر.. جلابية مبارك.. وتيران «المصرية» (2 – 4)

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

نحن نعيش فى كوكب الوهم.. لا علاقة لنا بالمجموعة الشمسية.. نسبح فى مجرة الخداع.. تاريخنا مثل «حفاضات» الأطفال.. مبلل فى أجزاء وجاف فى أخرى.. عندما اتخذت قرارا بالكتابة عن معركة أكتوبر المجيدة، اخترت سلاح الطيران، ليس لأن قائده كان الرئيس الأسبق حسنى مبارك، ولكن لإبراز دور الأبطال المصريين جميعا فى التصدى لخرافة إسرائيل التى لا تهزم..

ليس لى علاقة هنا بمبارك الرئيس، ولا الإنسان.. ولكنى أتصدى لضابط وجد من الشجاعة تحميل قادته أخطاء الهزيمة العسكرية، ويحلل خطة العدو الإسرائيلى، مشيرا إلى أنها لا تحمل أى إبداع عسكرى بعكس الخطة المصرية.. فى هذه الحلقات لا أتحدث عن بطل شهد له الإسرائيليون بالتفوق، ولكننى أركز على تميز العنصر البشرى المصرى.. شعبا وجيشا.. قادة وجنودا.. لم يبادر مبارك بتدوين يومياته عن الحرب سعيا وراء مجد شخصى أو لإظهار عبقريته ولكنها تكليف من القائد الأعلى للقوات المسلحة أنور السادات نفسه..

لم تخرج إلى النور مثل مذكرات الفريق محمد فوزى أو الفريق سعد الدين الشاذلى أو المشير عبدالغنى الجمسى وظلت فى الأدراج.. وتسألنى لماذا لم تنشر.. والحقيقة أن مبارك خشى أن يكون فى مقارنة مع قادته أو يبدو وكأنه ساع إلى مجد شخصى بعد أن أصبح رئيسا للجمهورية..

لقد اعتدنا أن نتفرج وأن نقرأ ما يكتبه الآخرون ونصدقه صامتين عاجزين.. وبذلك نشارك فى تشويه صورة مصر وتزوير تاريخها إلا إذا عزمنا ولو مرة واحدة على أن نسجل بأيدينا وبأعيننا ما حدث لنا.. نحن مازلنا لا نعرف ما جرى فى النكسة ومن الذى أصدر أمر الانسحاب.. لا نعرف لماذا ورطنا ناصر فى اليمن ودخل حرب 67 ونخبة الجيش تحارب معركة قبائل فى صنعاء!

لقد انتشرت مؤخرا تصريحات المرحوم اللواء طيار محمد زكى عكاشة، التى اتهم فيها مبارك بأنه لم يوفر لقوات الصاعقة المحمولة بالهليكوبتر حماية من القاذفات والمقاتلات، مما أدى لمذبحة بشعة للطائرات والجنود.. معلومات اللواء رحمه الله «هجص»، فلو كان هذا ما حدث فإن مبارك لا يصدر أمرا بحماية قوات من سلاح آخر محمولة جوا، لكن الذى يصدره رئيس الأركان وهو الشاذلى وعلى مبارك التنفيذ.. ثم من الذى يطلب من مبارك حماية جنود ويرفض! هذا الرفض يعرضه لمحاكمة عسكرية فورية وربما إعدام.. الراحل العظيم أنور السادات يتكلم عن الجيوش والطيران فى 73 فى كتابه البحث عن الذات وحواراته لمجلة أكتوبر فيقول «كنت فى غرفة العمليات مندهشا.. قائد الطيران يعرض على الجيشين الثانى والثالث أن لديه احتياطيا من الطلعات مستعدة وجاهزة والجيوش ترد نحن مكتفون.. والعادة فى جيوش العالم كله أنها تصرخ مستنجدة بالقوات الجوية ولا تجدها لا فى الوقت ولا الطائرات لكن هذا لم يحدث فى أكتوبر 1973.. هذه شهادة القائد الأعلى للقوات المسلحة فهل نكذب من كان يدير المعركة ونصدق آخرين..

( 1 )

فى سياق متصل يتألم مبارك من الشائعات التى طالت الجيش المصرى وقادته والتى روجتها إسرائيل بعناية وتركيز ليفقد المقاتل والمواطن الثقة فيمن يدافعون عنه.. كانت أشهر شائعة تلك التى ترددت عن الحفل المقام فى قاعدة أنشاص الجوية يوم الأحد 4 يونيو السابق على ضرب السلاح الجوى المصرى بأكمله على الأرض.. أشاعوا أن الطيارين المصريين شربوا الخمور وظلوا ساهرين حتى الفجر مع المطربات والراقصات وبلغت المأساة ذروتها عندما أشاع الإسرائيليون فى وسائل الإعلام الغربية أن هذا الحفل كان أحد الأسباب الرئيسية لنجاح الضربة الإسرائيلية المفاجئة للمطارات المصرية التى مازال طياروها يغطون فى سبات عميق بعد ليلة حمراء ماجنة.. وبلغت المأساة ذروتها عندما أشاعوا أنها أقيمت بترتيب من تاجر يهودى اخترق المخابرات المصرية وأقنعها بدعوة كبار قادة الطيران إليه..

اختير مبارك لرئاسة لجنة التحقيق التى شكلتها القيادة الجديدة لسلاح الطيران لمعرفة ما حدث فى أنشاص.. وبالتدريج مع تقدم التحقيق وتوالى الشهود بدأت اللجنة ترى الصورة الحقيقية وأخذت الأقاصيص المخترعة والأساطير الفلكلورية تتهاوى واحدة إثر الأخرى.. إلى أن جاءت إحدى المطربات الشهيرات لتشهد فى التحقيق باعتبارها نجمة حفل أنشاص «توفاها الله» فقالت إن الطيارين المصريين مظلومون لأن قادتهم لم يكونوا على مستوى المسؤولية.. بادرها مبارك: هذا تعميم لا تقبله اللجنة.. أريد أمثلة عن استهتار القيادات الذى تزعمينه، فقالت قاعدة بنى سويف مثلا.. فسألها مبارك ماذا حدث فيها.. ردت كان قائدها ينام فى شقة خاصة بعيدا عن رجاله ولما سمع أصوات الانفجارات لم يتوجه لقاعدته ليكون بجوار رجاله ولكنه هرب بجلابية النوم للشارع.. طبعا كان مبارك هو هذا القائد وكشف لها أنها كاذبة ومنافقة.. وأن هذا القائد وأبطالا غيره كانوا معلقين بين السماء والأرض وبعضهم اشتبك فى صدامات أقرب للانتحار.. استشهد الأبطال لكن الهزيمة غطت على سجل الشرف الملطخ بالشائعات..

يحلل مبارك بدقة المحترفين أسباب تفوق إسرائيل الجوى فى 48، 56، 67 مرجعا إياها إلى أول قائد لسلاح الطيران الإسرائيلى «تولكوفسكى» الذى أقنع قادة إسرائيل بأن أفضل دفاع عنهم هو الجو لأن صغر مساحتها لا يخول لها الدخول فى معارك برية.. ثم جاء عزرا وايزمان كثانى قائد وأطلق شعارين «الدفاع عن إسرائيل يبدأ من 40 ألف قدم» والثانى «أنها سلاح طيران ظهرت له دولة»..

وهكذا دخلت إسرائيل 67 وهى تملك طبقا للأرقام المعروفة 548 طائرة حربية مختلفة الطرازات ومعظمها هجومية بينما كانت مقاتلات وقاذفات مصر من مدرسة واحدة إلى جانب خطأ القيادة المصرية وقتها وهى الاهتمام بالكم على حساب الكيف، فكان تدريب الطيارين أقل من المعدلات العالمية بالإضافة إلى الإهمال فى أجهزة الإنذار المبكر والرادارات التى كان ينبغى تطويرها لتغطى مساحة مصر التى تقترب من مليون كيلو متر مربع..

من ثم كان لإسرائيل ميزتان طائرات هجومية سريعة وتركيز شديد فى التدريب بالاشتراك مع الأجهزة المشتركة فى عمليات السلاح وهى الدفاع الجوى وبطاريات المدافع المضادة للطائرات وما إلى ذلك..

( 2 )

دعونا الآن نتكلم عن الشعب المصرى العظيم الذى رفض الهزيمة وقال حنحارب حنحارب.. هذه الصيحات ألهبت القوات المسلحة وسلاح الطيران بالذات وشحنت بطاريات الثأر وقوة العزيمة فى الرجال.. ثلاثة عوامل أدت لنجاح ضربة إسرائيل وهى عنصر المفاجأة والطيران على ارتفاع منخفض بعيدا عن مدى صواريخ سام 2 المضادة للطائرات التى كانت متوفرة آنذاك وبالتالى لم تكن هناك عبقرية فى الانقضاض بقدر ما كان هناك أخطاء فى قيادات الأسلحة.. أما الحقيقة الثالثة التى لا يعرفها كثيرون أن المطارات المصرية بكل تفاصيلها كانت عند إسرائيل.. كيف؟ عزرا وايزمان، القائد الثالث لسلاح الطيران الإسرائيلى، عمل فى مطار فايد ضمن قوات السلاح الملكى البريطانى فى القواعد التى شغلتها بريطانيا على ضفة القناة من 1948 الى 1954.. المطارات المصرية حتى 67 لم تكن تغيرت كثيرا عن الخرائط التى حملها وايزمان معه لإسرائيل.. كانت الدعاية الصهيونية أن الطيار الإسرائيلى تدرب على نماذج الطائرات المصرية آلاف المرات لدرجة أنه يستطيع إصابتها وهو مغمض العينين.. لكن الحقيقة أن إسرائيل درست مطاراتنا وممراتنا جيدا بعد أن أمدها وايزمان بالخرائط.. وإذا كانت الحرب فى العالم كله تساعد السياسة، إلا أن نكسة 67 كانت السياسة هى التى فجرت الحرب..

فقد سحبت مصر قوات الطوارئ الدولية من حدود مصر وإسرائيل وتم إغلاق مضيق تيران فى المدخل الجنوبى للقناة «وبالمناسبة هذا اعتراف رسمى من مبارك قبل 49 عاما بأن تيران مصرية»، وهو شريان الحياة لإسرائيل ومنه يمر إليها البترول وغيره.. ثم عقد جمال عبدالناصر مؤتمرا صحفيا عالميا حضره مراسلون من شتى أنحاء الكرة الأرضية أعلن فيه صراحة أنه إذا هاجمت إسرائيل مصر أو سوريا فسنلقيها فى البحر وسندمرها.. كان ناصر «يهوش» ويهدد. لكن تل أبيب اغتنمت التهديدات لصالحها.. استقطبت بريطانيا..

رفض ديجول تأييد إسرائيل وكان هو الذى قدم لمصر صفقة الميراج بعد الحرب التى طلبها مبارك من الراحل ناصر.. وترددت أمريكا إلا أن اليهود اقنعوا جونسون أنه إذا لم يتم ضرب مصر فان الاتحاد السوفيتى سيسيطر على الشرق الأوسط وينتصر السلاح الروسى على الامريكى مرة أخرى بعد حرب الهند وباكستان عام 1965 وأخيرا وافق جونسون تحت ضغط اللوبى اليهودى فى الكونجرس..

ابتلعت مصر وقيادتها «الاستعراضية» الطعم وبدأت تنظم استعراضات علنية للقوات وهى سذاجة عسكرية لا يرتكبها مبتدئ ينوى الحرب.. ثم جاءت النكسة المريرة وما تبعها من تنحى ناصر ووقوف الشعب معه.. تغيرت القيادات العسكرية.. جاء فوزى وزيرا للحربية وعبدالمنعم رياض رئيسا للأركان.. اختارا مبارك مديرا للكلية الجوية فى يوليو 1967 تخرجت على يديه 5 دفعات تسلحوا بالعلم والتكنولوجيا، وكان هذا هو مفتاح النصر فى 73.. العلم وتغيير عقيدة المقاتل من الدفاع للثأر والشرف والكرامة..

ونكمل بإذن الله..

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق