اخبار اليوم تفريغ مصر!

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الأرقام تتحدث عن 750 ألف طلب هجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، هناك دول كثيرة تفتح ذراعيها لاستقبال طلبات الهجرة طوال العام، أى أن العدد يمكن أن يكون مضاعفاً، لسنا إذن أمام خبر غريب، أو رقم كبير، نحن أمام كارثة، هؤلاء الذين يسعون إلى الهجرة الشرعية جميعهم من ذوى المؤهلات العليا، هناك أعداد أخرى نتابعها يومياً كتلك التى تسعى إلى الهجرة غير الشرعية، براً وبحراً، أنباء وفاتهم على الحدود بين الدول لا تتوقف، بخلاف أنباء الغرق فى عرض «المتوسط».

نحن هنا لا نتحدث عمن هاجروا داخل المجتمع، عمن فقدوا الثقة فى كل شىء حولهم، هناك مَن انتحروا، وهناك مَن فقدوا عقولهم، وهناك مَن طووا الشهادة الدراسية إلى الأبد، لحساب العمل على توك توك، أو حتى مسح الأحذية، بعد أن فقدوا الأمل فى المشروع القومى الكبير!، مشروع سيارات خضروات سوق العبور!، وهناك مَن لم يستطع اللحاق بالهجرة الشرعية، ولا غير الشرعية، التحق بعالم البلطجة تارة، وبمقاهى الترامادول والبانجو تارة أخرى، وبالاكتئاب واليأس والإحباط تارة ثالثة.

لدينا نحو مليون خريج جامعى سنوياً، التنمية فى البر المصرى شبه متوقفة، أى أن التعيينات بالوظائف الحكومية وغير الحكومية أيضاً شبه متوقفة، أضف إلى ذلك مَن ينضم إليهم من بطالة فى صفوف العاملين فى قطاعات مثل السياحة، أو المصانع التى تغلق أبوابها واحداً تلو الآخر، أو تخفيض أعداد العمالة فى الكثير من المشروعات ترشيداً للإنفاق، فى ظل حالة وقف الحال التى يشهدها العديد من القطاعات، نظراً لاستحواذ جهة بعينها على الأوضاع ككل فى هذه المرحلة.

بالفعل هى كارثة، تلك المتعلقة بتفريغ الدولة المصرية من أبنائها، أو من الكوادر فى كل التخصصات بلا استثناء، دون الأخذ فى الاعتبار أنها فى حاجة إلى جهد كل مواطن، من أجل النهوض من هذه العثرة، سواء كان يحمل مؤهلاً أم لا، سواء كان شاباً أم لا، الآن هناك ندرة حقيقية فى الكفاءات، وهى المفارقة الغريبة التى يعانى منها المجتمع، رغم أن عدد سكانه قد بلغ نحو مائة مليون نسمة بالداخل والخارج، ورغم كل هذه الأعداد من الخريجين، ورغم أن فئة الشباب هى الأعلى بين الفئات العمرية المختلفة.

هذه هى الحقيقة الغائبة، وهى أنه على الرغم من كل هذه البطالة، إلا أن هناك الكثير من المشروعات تعانى من ندرة فيما تحتاجه من تخصصات، بعد أن وجد الشباب ضالتهم خارج الوطن، بعد أن فقدوا الأمل فى حياة أفضل بالداخل، الأكثر من ذلك أن الدولة على المستوى الرسمى تعانى من العثور على ما تحتاج من كفاءات حين الاتجاه إلى تشكيل وزارى مثلاً، أو تعيين محافظين، أو تعيين قيادات فى أى من المجالات، الأمر يستغرق أحياناً شهوراً طويلة، جراء البحث عن متخصصين، بعد عزوف الكفاءات والخبرات، وهو ما يؤكد أن هناك شيئاً ما خطأ لابد من تداركه.

للأسف هناك بعض المراحل التى كانت تسعد فيها الدولة على المستوى الرسمى أيما سعادة، حينما يعثر الشباب على فرص عمل بالخارج، بل كانت تتفاخر بأنها ساهمت فى توفير هذه الفرص، كانت تضمن بذلك تحويلات شهرية من العملة الصعبة، حتى لو كانت لن تزيد على بضعة دولارات، إلا أنها فى حقيقة الأمر كانت تمثل خسارة فادحة من كل الوجوه، ذلك أن صاحب العمل بالخارج لا يستقدم أو يجلب سوى المتميزين الذين يستفيد منهم أيما استفادة، بالتالى فإن الدولة قد اعتادت طوال الوقت خسارة المتميزين من أبنائها، وها هى النتيجة، تعثُّر على كل المستويات، تدهور على كل الأصعدة، انهيار شبه شامل.

للأسف أيضاً مازالت هذه السياسة مستمرة حتى الآن، بل الأكثر من ذلك أن الدولة قد غضت الطرف عن كل ما يتعلق بهجرة الشباب، حتى لو كانت بالطريق غير الشرعى، ثم ساهمت فضائيات الغبرة، من خلال بعض مذيعى التوك شو عديمى الضمير، فى ذلك، حينما رددوا طوال الوقت تلك العبارات الفاضحة (اللى مش عاجبه البلد يمشى)، (اللى مش عاجباه سياسة البلد يغور فى ستين داهية)، (اللى مش لاقى ياكل يورينا عرض اكتافه)، وكأن مصر أصبحت أبعدية خاصة من أبعديات «أبواللى خلفوهم» دون أى استنكار لهذا الأسلوب على
المستوى الرسمى.

الأمر الآن أيها السادة فى حاجة إلى تغيير نظرة الدولة إلى ثروتها البشرية، فى كل دول العالم المتقدم يسعون إلى مزيد من الإنجاب، إلى مزيد من الناس، إلى مزيد من المواطنين وغير المواطنين، ذلك أن معدلات التنمية هناك فى ارتفاع مستمر، تستوعب كل ما هو جديد، ذلك أن هناك من الخطط ما يضمن ذلك الآن وفى المستقبل، لا يجب أبداً أن نظل ننظر إلى ثروتنا البشرية على أنها حجر عثرة فى طريق التقدم، يجب أن نعترف بأن الفشل يكمن فى عدم الاستفادة منها، وليس العكس.

أوقفوا هذه الآفة المتعلقة بهجرة الشعب، بمعنى أصح المتعلقة بهروبه من وطنه، ليس معنى ذلك منع الناس عنوة من الحصول على فرص حياة أفضل، إنما بتوفير حياة كريمة بالداخل، فرصة عمل تليق بكرامة المواطن لا أكثر ولا أقل، إذا عجزنا عن ذلك، فلنعترف بالفشل، لننسحب من المشهد، بالتأكيد هناك مَن يستطيع أن يحقق ذلك، بالتأكيد هناك غيرنا، مَن ليسوا أمثالنا، لديهم من الابتكار والإبداع ما لا ندركه، هذه هى الحقيقة التى لا يريد أن يعترف بها المُرْجِفون فى كل مكان.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق