اخر الاخبار دولة الفساد والاحتكار تسرق المصريين

0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة
أزمة في السلع تضرب مصر، تكوي بارتفاع أسعارها الطبقات الشعبية خصوصاً، تنكر السلطة في البداية الأزمة، وترجعها إلى شعورٍ زائفٍ بالغلاء لدى المواطنين، أو إشاعاتٍ مغرضةٍ، طبقا لنظرية المؤامرة، وحين تتفاقم الأزمة، يجمل الخطاب الرسمي الأزمة في عاملٍ واحدٍ يبرئها، وهو جشع التجار، من دون تحديد من هم هؤلاء: هل هم المحتكرون من كبار رجال الأعمال المقرّبين للسلطة، أم تجار التجزئة الصغار ذوي هامش الربح المحدود. يخلط خطاب السلطة وأعلامها الحابل بالنابل، وتترك الدولة الطغم المالية التي تحتكر السلع، من دون حسابٍ أو رقابة.
يمكن تحليل أزمة السلع الغذائية إجمالاً عبر تناول الأسباب الأكثر تأثيراً في الظاهرة، أولاً توجهات الدولة الاقتصادية التي تعتبر القطاع الخاص المنوط به توفير السلع والخدمات. ثانياً، طابع الاقتصاد الذي يفتقد إلى التخطيط، وتتصف فيه القرارات بالتخبط والعشوائية، ويتزامن مع كلا العاملين الفساد المستشري في جهاز الدولة، والذي يخدم مجموعات المصالح المتمثلة في محتكري السلع. وأضف إلى ذلك الأزمة التمويلية الضخمة، وأزمة تخفيض سعر الجنية في مقابل الدولار، وكلاهما آثرتا بجانب تخفيض الدعم على ما يصرف لشراء السلع، خصوصاً حين تتزايد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك. كذلك، يمكننا رؤية الصورة بشكلٍ أقرب من خلال تتبع أثر سياسات التحرير الاقتصادي، خصوصاً في مجال الزراعة، والتي جعلت عوائد زراعة المحاصيل بالنسبة للفلاحين لا تكفي تكلفتها، نظرا لارتفاع أسعار مستلزمات الزراعة من مبيداتٍ وأسمدةٍ ووسائل نقل وماكينات، وتراجع دور الإرشاد الزراعي.
"نستطيع القول إننا مع موعدٍ لتفجر أزمات أخرى، في مجال السلع الغذائية، فإذا انتهت أزمة السكر ستندلع أزمة الزيت والبقول، لأن أصل الأزمة وأسبابها ما زالت قائمة"

غنى محمد منير أغنيته "سو يا سو" ضمن ألبوم "قلبي مساكن شعبية" عام 2001، وكانت الأغنية نقداً لسياسات الخصخصة، قائلاً "حبيبي عاوز سكر ومنين نجيب السكر الواد بياع السكر حبسوني وحبسوه"، وأكمل "حبيبي عايزله لولي منين أجبله لولي دول سرقوا اللولي يالولي وحبسوني وحبسوه". لكن، لم نكن نعرف أننا مع موعدٍ لنغني الأغنية، بمعناها المباشر، لا المجازي، مع أزمة ارتفاع سعر السكر وندرته في السوق. دولة بحجم مصر عرفت صناعة السكر مبكراً، وتسيطر شركة السكر والصناعات التكاملية المصرية المنشأة بنهاية القرن التاسع عشر على 80% من صناعة السكر، وتنتج ما يقارب 2.4 مليون طن سنوياً، بينما يبلغ الاستهلاك 3.2 ملايين طن، ويتم استيراد ما يقارب 800 ألف طن لسد الفجوة، بينما ينتج القطاع الخاص ما يقارب 300 ألف طن سنوياً. وبجانب الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، هناك أسباب أخرى للأزمة، أتاحت قرارات حكومية للقطاع الخاص السيطرة على كمياتٍ ضخمةٍ من إنتاج الشركات العامة، ما أدى إلى تعطيش السوق، وسقوط المستهلكين ضحية لمكاسب تلك الشركات. وسمح وزير التموين المقال، خالد حنفي، بالسماح بتصدير السكر، مع فرض جمارك 900 جنية للطن المصدّر، فقامت الشركات، ومنها شركتا النيل المملوكة لساويرس وصافولا السعودية، بالتوسع في التصدير لمنتجها الذي سبق وأن استوردته سكر خام، وقامت بتكريره في شركات القطاع العام، فحقّقت بذلك أرباحاً طائلة من فرق الأسعار، وساهم ارتفاع سعر السكر عالمياً بقدر 6% نتاج تراجع إنتاج البرازيل والهند، ونقص المعروض من الصين، إلى اتجاه شركات التصدير إلى توسيع نشاطها، وساهم أيضاً ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه في زيادة معدلات التصدير، كما مكّن قرار الحكومة ضم شركات السكر إلى وزارة التموين محتكري السكر من السيطرة على سوق السكر، مستفيدين من سياسة التوزيع التي تفتقد للعدالة، ويحتكرها عدد محدود من الشركات الكبرى، بينما منعت شركات التوزيع والتعبئة صغيرة الحجم من الحصول على حصص من إنتاج السكر. هذا الوضع سهّل للمحتكرين تعطيش السوق، والتحكّم في الأسعار داخلياً، والتوسع فى التصدير، تحالف الفاسدين في وزارة التموين مع رجال الأعمال والغرفة التجارية جعلت الأزمة تتفاقم.
تزامن ارتفاع أسعار السكر والأرز مع ندرة السلعتين من السوق، بدأت، أولاً، أزمة السكر الذي تصاعد ثمنه من خمسة جنيهات إلى عشرة جنيهات على مدار شهرين مضيا، ثم ظهرت أزمة الأرز، والتي ارتبطت بسياسةٍ زراعيةٍ، أهملت التعاونيات، وتركت الفلاح فريسة للتجار، حدّدت الدولة سعراً لطن الأرز الشعير أقل من تكلفة إنتاجه، ما دفع الفلاحين للبيع للتجار الذين قاموا بدورهم بالاستيلاء على محاصيل الفلاحين وتخزينها وتعطيش السوق. وبالتالي، ارتفعت الأسعار. يرتبط جامعو المحاصيل من الفلاحين بكبار رجال الأعمال محتكري السلع الغذائية، واتجهت معظم شركاتهم إلى تصدير الأرز المصري إلى الخارج، للحصول على أكبر قدرٍ من الربح، لإنهاء الأزمة لجأت الدولة إلى الاستيراد، وهو ما سيضغط بلا شك على موازنة الدولة، وقامت بحملاتٍ أمنية على بعض المحال، لمصادرة كميات السكر الموجودة لديهم، على اعتبار أنهم سبب للأزمة، بينما تحصل تلك البقالات على المنتج من محتكرين كبار بسعر أعلى، تجاهلت حلول الحكومة الأسباب الحقيقية للأزمة، والتى منها الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وكذلك الاحتكار في مجال الصناعات الغذائية ومافيا الغذاء التى تراكم أرباحها على حساب تجويع الشعب، لم تشر الحكومة من قريب أو بعيد إلى محتكري السلع، وكيف يستفيدون من الأزمة، وليس منتظراً أن تخرج حكومة عبد الفتاح السيسي لتدين الاحتكار، فالمحتكرون جزء من نسيج السلطة، يخلقون الأزمات ويستفيدون منها.
بنظرة على المستقبل، وفي ظل أزمة الاقتصاد المصري، وتراجع سعر صرف الجنيه،
"يجب التخطيط لسد الفجوة الغذائية بين الإنتاج والاستهلاك، وهذا يستدعى دعم قطاع الزراعة والصناعات الغذائية"
وانخفاض الاحتياطي النقدي الأجنبي، ووجود فجوة غذائية بين المنتج والمستهلك، نستطيع القول إننا مع موعدٍ لتفجر أزمات أخرى، في مجال السلع الغذائية، فإذا انتهت أزمة السكر ستندلع أزمة الزيت والبقول، لأن أصل الأزمة وأسبابها ما زالت قائمة.
تستدعي معالجة الأزمة، أولاً، تفكيك تحالف الاحتكار والفساد في جهاز الدولة، أضف إلى ذلك توقف سياسات التقشف وتوجيه جزء مناسب من الموازنة لتوفير السلع الغذائية، وتحديد هامش ربح للشركات الخاصة، لا يتم تخطيه، فيما يخص سلة السلع الغذائية. وبالتزامن مع كل هذه الحلول العاجلة، يجب التخطيط لسد الفجوة الغذائية بين الإنتاج والاستهلاك، وهذا يستدعى دعم قطاع الزراعة والصناعات الغذائية، بدلاً من تفكيك تلك الصناعات، أو فرض أعباء على الفلاحين، وإهمال ملف الزراعة.

المصدر : العربى الجديد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق