اخر الاخبار رسائل ماجستير ودكتوراه بالمجان

0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة

لم تصل الدول المتقدمة إلى ما وصلت إليه إلا بفضل البحث العلمي ومؤسساته العملاقة التي ساهمت، إلى حدٍّ كبير، في نهضة أوروبا من الحروب المختلفة على مرِّ التاريخ، وكان آخرها وأكثرها فجاعةً الحرب العالمية الثانية، صاحبة الصيت السيء بعدد القتلى الذين اقتربوا من خمسين مليوناً.
ويُعرّف البحث العلمي بأنّه البحث العميق، والدراسة الجادة لمشكلةٍ من المشكلات التي تقفُ عائقاً أمام تقدّم المجتمع وتطوره، في أيِّ من مجالات الحياة، وكلّ مراحله تعتمد على الأساليب العلمية البحتة.
وقد شكلت عملية اندماج التكنولوجيا (الثورة الرقمية) مع العوامل الثلاثة الأخرى، رأس المال، والأرض، والعمالة، نقطة التحوّل في الغرب، إضافةً إلى عوامل أخرى أساسية، مثل استقلال مراكز البحث والدراسات عن البيروقراطية الحكومية، ما عدا البحوث في مجال الأمن والدفاع، وكذلك الدعم الكبير الذي تلقاه تلك المراكز، والاحترام الكبير للنتائج التي يتمّ التوّصل إليها، ومحاولة تطبيقها ووضعها في "مختبر الواقع".
أما لدينا، فتعتبر مراكز البحوث والدراسات أداةً من الأدوات التي تستخدمها الأنظمة، وتشرف عليها، وتضعُ لها السياسات العامة، وتُعيّن من يقودها، وتخصّصُ لها ميزانية محدودة، تكفي فقط لرفع العتب، وتمكنّنا من القول: لدينا مراكز بحث ودراسات!
في العالم المتقدّم، لا تخطو الحكومة خطوةٍ إلا بعد استشارة تلك المراكز، لأنّها تعتبر صاحبة النظرة العميقة، والرأي السليم والمتوازن، وهذا يعود إلى أنّ ما يتوّصلون إليه يكون بفضل البحث والدراسة العلمية البحتة، لا بفضل "الهرطقات" و"بركات الصالحين" وترك الأمور للمصادفة والإرادة الإلهية. لذلك، نرى أنّ البحث العلمي دائماً يدخل ضمن منظومة التنمية الشاملة، لا على الهامش.
ليست الأزمة التي نواجُهها في مجال البحث العلمي جديدةً، بل هي مشكلةٌ لها جذور تمتد إلى مراحل مبكرة من حياة الطالب العربي، فعلى سبيل المثال، من الأهداف الأساسية للمرحلة الجامعية، اكتساب الطالب لمهارة البحث العلمي والدراسة العميقة لمشكلةٍ ما، ولكن الواقع التعليمي المرّ مختلف.
مازال مفهوم البحث العلمي في جامعاتنا "ترقيعاً وتجميعاً" لمواد ذات صلةٍ بالموضوع المراد البحث فيه، حتى ولو من الإنترنت!، الأمر الذي يفتقد إلى دور الباحث ورأيه وإضافة لمسته، وهو سلوكٌ سائد يعكس، بطريقةٍ أو بأخرى، الاستخفاف الحاصل بقدسية العلم.
يقول صديقٌ لي، طالب ماجستير محاسبة في جامعة عربية، إنّ الدكتور المشرف على رسالتهِ أرسله إلى أحد مكاتب "النصب والاحتيال العلمي" التي يشرف عليها دكاترة جامعيون، يتقاضون الأموال، مقابل إنجاز رسالة ماجستير بأكملها، أو جزءٌ منها، وبطبيعة الحال كلّ شيءٍ ولهُ قيمته.
وعندما يأتي موعد مناقشة الرسالة التي وقع اختيار الطالب عليها، أو "مكاتب الغش" بالأحرى، تتغاضى اللجنة المنوطة بمناقشة الطالب عن الأسئلة التي من شأنها أن تحرج "الباحث!" أمام الأهل والأصدقاء، وتبيّن أنّه لم يساهم في بحثه بشيء، لأن الدكاترة أيضاً مساهمون بالجريمة العلمية النكراء، وذلك كله من أجلِّ المحافظة على مصدر الدخل المادي الذي يتحصّلون عليه، على حساب خيانة الأمانة العلمية.
تعتبر الأبحاث الأكاديمية من أنواع البحث العلمي، وينطبق عليها القول: العلم من أجل العلم فقط، لا في سبيل تطوّر المجتمع وتقدمه، وهي الأكثر شيوعاً في بلداننا العربية، لأنّ أهدافها دائماً ما تكون من أجل الترقية الأكاديمية أو المشاركة في المؤتمرات العلمية وما شابه.
وحتى هذا النوع، يقع تحت سيطرة وباء "مكاتب الغش والاحتيال"، فنرى كثيرين من حملة شهادة الدكتوراه يستعينون بتلك المكاتب، ويأخذون بعض البحوث، ويجرون عليها تعديلاتٍ طفيفة، ويقدمونها إلى "لجنةٍ خارجية". وبعد ذلك، تتم عملية الموافقة والترقية، وإقامة الاحتفالات، وتقديم التبريكات، وتوزيع "الحلوان"!
لا أعرف كيف نُريد أن نتقدم، وأن نتخطى المأساة التي وصلنا إليها، وكيف لنا أن نضعَ الآمال والأحلام الوردية، وأن نوهم العامة بالمستقبل المنشود، ونحن ما زلنا نستخف بالعلم والمنظومة التعليمية برمتها في هذه الطريقة المنحطّة، فمن قال لأولئك المحتالين والغشاشين إنّهم، بأفعالهم النكراء هذه، يفيدون المجتمع ومستقبل الأمة بشيء؟
عندما يصل الاستخفاف في العلم وفضله الكبير في تقدّم البشرية وتطوّر الحضارات الإنسانية إلى هذه الدرجة والمستوى، أخشى أن تصبح رسائل الماجستير والدكتوراه بالمجان بدون مقابل، لأنّها أصبحت من أنواع "البرستيج" و"الديكور" الذي يُزيّن غرفة الضيوف.

المصدر : العربى الجديد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق