اخر الاخبار سنوات التحولات السريعة

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة
لعلّ أكثر ما يلفت النّظر، ويستدعي التفكير مطولاً، في تحوّلات الثورة السوريّة ومعوّقاتها العديدة في آن، منذ بدئها في ربيع 2011 حتى اليوم، عدا البطولات الأسطورية وقوة التحمّل الفريدة للمحاصَرين في كلّ من درعا وحمص وريف دمشق كأمثلة غير حصريّة، هو غنى بعدها الاجتماعيّ – الثقافيّ، وأثر ذلك الغنى الكثيف على نهوضٍ ثوريّ ذاتيّ متعدد الطبقات والتوجهات. نهوض جديد، لم يعتمد فقط على وحدة الموقف الأخلاقي، نهوض بلا نموذج سابق يمكن اعتماده وَسَم الفئات الشابة التي هي أغلبية سكان سورية.

ينبغي ألا ننسى هنا أن هذه الأغلبية، غير السياسيّة بطبيعة الحال والمذرَّرة وسط تجاذبات المعارضات السورية السقيمة، والتي تكشف على نحو مؤسف عن خيبة شديدة في نتائج العمل الجماعي السوري، ستظل تنادي بالقيم المدنيّة كشرط عام وناظم من شأن رسوخه الواسع على نحو جديّ أن يعيد رسم وتأطير علاقات عموم السوريين في ما بينهم.

على هذا، فإن الثورة السورية بالمعنى الاجتماعي (الثقافي) والمدني (السياسي)، قد تخطت عتبة انغلاق السياسة التي تحجرت إعلامياً وواقعياً في آلة حرب طاحنة ومدمرة. إن ما شهده المجتمع السوري، الفتيّ والشابّ خصوصاً، من خضّات عميقة لوعيه الساكن لعقود مديدة، وترافُقُ ذلك النزوع مع انقلابات نفسيّة شديدة التباين والحدّة، إضافة إلى أثر التحول السريع والجارف على الوعي الجماعاتيّ لعموم السوريين، يشكل مرآة واسعة يمكن من خلالها تلمّس تغيّر اجتماعيّ فكريّ جذريّ وغير مسبوق.

لقد تغيّرت، إذن، نظرة السوريين بعضهم إلى بعض ككيانات فرديّة وكجماعات في وقت واحد، فالرجال والنساء تغيّروا وتبادلوا الأدوار في أكثر من مكان. تحطم العهد القديم (إلى الأبد)، على كلّ حال، مع تحطم شروط الحياة الخانقة نفسها. كلّ ذلك لم يكن سهلاً قطّ داخل منظومة أمنية فكرية تسلطية قاسية، كالتي ينتجها ويعيد إنتاجها نظام شرس كالنظام السوري، الذي حرص دوماً على تغييب الفرد باسم الجماعة وتهميش المكان باسم اليوتوبيا، وتأجيل الحاضر وصدّه بدرع المستقبل الذي لا يمكن السماح له، مع وجود هكذا سلطة جامدة ومنكرة لوجود الموجود أصلاً، بالتحول إلى حاضر معاش أبداً. لقد سرق السوريون حياتهم المسروقة مسبقاً، استعادوا على الأقل قوة الكرامة وشعلة الأمل، رغم كل الخيبات التي توالت عليهم. الشتات السوري يحمل بذور حياة أخرى، تحتاج إلى وقت طويل حتى تكشف عن نفسها من جديد، وتعيد الاعتبار لما كان حلماً وربيعاً سريعاً وتحوّل إلى كابوس أثقل من قدرة العقل على تحمّل التفكير به، وأصعب من أن يختصر في إعلام سياسي هنا وهناك.

ما يبقى هو ما يدوم. هنا يكمن الرهان على ثورة أخرى، تخص كل فرد، بعدما غدا سيّد نفسه.

اقــرأ أيضاً

المصدر : العربى الجديد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق