اخر الاخبار دابق: أكبر ضربة معنوية رمزية لمعارك آخر أزمنة "داعش"

0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة

للرؤى الدينية، المتعلقة بما يُعرف في التراث الإسلامي والمسيحي واليهودي بـ"ملاحم آخر الزمان"، أهميتها لتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، لقدرتها على تجنيد الأعضاء، وحشد المؤيدين للتنظيم، الذي أراد أن يرسّخ "حرباً دينية" يمارس خلالها خطاباً يمزج فيه بين السياسة والدين، والحاضر والمستقبل، لتكريس وجوده كـ"ممثل للمسلمين" ومحارب لـ"الأعداء الصليبيين ومن يواليهم".

تتحدث "ملاحم آخر الزمان" في التراث الإسلامي عن معارك بين أتباع الأديان الإبراهيمية، في بلاد الشام تحديداً، وتنصّ أحياناً، كما في التراث الإسلامي والمسيحي، على أماكن محددة، مثل القدس، أو البلدة التي حظيت بأهمية إعلامية استثنائية أخيراً، دابق (قرب حلب)، التي طرد منها "داعش"، أمس الأحد. ويرى مراقبون في هذا التطور ضربة "رمزية" موجعة للتنظيم، تحديداً على مستوى خطابه الديني.

من المستبعد أن تكون خسارة "داعش"، لبلدة دابق، نهاية للتنظيم، فهذا التطور حلقة جديدة في سلسلة تراجع التنظيم، ميدانياً، في العراق وسورية، منذ بدايات 2015، وتوالي اغتيال قادته الإعلاميين والأمنيين. وذلك في الوقت الذي تقترب فيه ساعة الصفر، للمعركة الأهم ضده في الموصل، من حيث أعلن قائد التنظيم، أبو بكر البغدادي، أو إبراهيم عواد البدري، قيام "الخلافة" من مسجدها في 2014.

"
من المستبعد أن تكون خسارة "داعش"، لبلدة دابق، نهاية للتنظيم

"

ويأتي استبعاد أن يكون لفقدان دابق، أثر كبير على التنظيم، باعتبار أن عوامل سياسية واقتصادية تعصف بالمنطقة، لا سيما العراق وسورية، ساهمت في نشأة مئات التنظيمات "الإرهابية" والمليشيات "الطائفية"، التي لم تنهض من الفراغ، بسبب رؤى دينية متطرفة أو أسطورية، بل لأسباب موضوعية تتعلق بانهيار الدول الوطنية، وتصاعد الخطابات الطائفية، وتنامي التدخلات الإقليمية، بالإضافة إلى وجود أنظمة مستبدة، منعت بناء دول وطنية تحظى بإجماع من السكان.

وكان للرؤى الدينية والأسطورية تلك، كرؤية "داعش" لملاحم آخر الزمان، المتعلقة بدابق، دور في التجنيد والحشد، وإضفاء الصبغة الدينية على هذا التنظيم، وربما تحديد بعض سياساته، من دون أن تؤدي دوراً أساسياً في نشأة هذا التنظيم، أول الأمر.

وتحتل بلدة دابق، أهمية "رمزية" استثنائية في خطاب "داعش" باعتبارها "ستشهد معركة مستقبلية، بين المسلمين والصليبيين"، بحسب أدبياته، وأن "هذه المعركة سينتصر بها جيش المسلمين على الروم". الجيش الذي، وبحسب كتب التراث، سينطلق لـ "فتح" القسطنطينية (إسطنبول التركية)، ثم ينتصر في معركة أخيرة، في القدس، عندها "ينزل المسيح" ويعم السلام كل الأرض.

وكون الرؤية التراثية لدابق، و"ملاحم آخر الزمان"، تتحدث عن حرب بين "المسلمين والروم" أو "الصليبيين"، فكانت هذه هي الرمزية المفضلة للتنظيم، من أجل وصف التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، ضد الإرهاب، باعتباره يمثل "رايات الروم" و "حرباً صليبية ضد الإسلام" وأن هذه الرايات، هي المذكورة في أحاديث الفتن والملاحم، في التراث الإسلامي.

اقــرأ أيضاً

وهنا تم اعتبار التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد "داعش"، منذ نحو عامين، بمثابة مظلة لـ"الرايات التي تجتمع آخر الزمان، لقتال خير أجناد الأرض، أؤلئك الذين سينتصرون في معركة دابق، ثم ينطلقون منها للسيطرة على الأرض"، بحسب معتقدات التنظيم.

لا خلاف حول استخدام "داعش"، لهذه الرمزية، في الحشد والتجنيد، إذ شبّه المتحدث باسم التنظيم، أبو محمد العدناني، انطلاق "داعش" بـ "الشرارة التي ستصل إلى دابق". وأضاف الرجل الذي قُتل أواخر شهر أغسطس/آب الماضي، إن "هذه الشرارة قد انقدحت في العراق وسيتعاظم أوارها بإذن الله حتى تحرق جيوش الصليب في دابق"، في إشارة إلى "ملاحم آخر الزمان"، وأهمية دابق في هذه الملاحم.

في السياق نفسه، حمّلت مجلة التنظيم، الصادرة باللغة الإنكليزية، اسم "دابق"، لتأكيد أن لـ "ملاحم آخر الزمان" حضوراً استثنائياً في فكر "داعش"، ومحاولة مخاطبة أعدائه باعتبارهم "متواطئين في حرب دينية صليبية"، لا باعتباره "مشكلة للعالم الإسلامي نفسه، بسبب أفكاره وتطبيقاته المتطرفة والدموية، قبل أن يكون مشكلة لغير المسلمين، من خلال إعلان العداء لهم".

كما سبق أن نشرت مجلة "دابق"، غلافاً في أكتوبر/تشرين الأول 2014، يُظهر أعلام التنظيم السوداء، وهي ترفرف فوق الفاتيكان، الأمر الذي كرره كثيراً أبو محمد العدناني، في خطاباته، التي تحدث فيها عن استعداد "جند الخلافة" للسيطرة على أوروبا.

كانت سياسات التنظيم، تقوم جاهدة بالتأكيد على الحرب الدينية، والعداء لجميع المسيحيين في العالم، باعتباره يخوض حرباً "ضد الصليبيين"، حتى إن فرع التنظيم في ليبيا، بثّ شريطا دعائيا، لإعدام 21 مصرياً قبطياً، في فبراير/شباط 2015، في أحد السواحل الليبية. الفيديو الذي تم تحليله مطولاً في الإعلام الغربي، آنذاك، باعتباره يرسل دلالات تتعلق بـ "فتح روما" الضفة الأخرى للساحل الليبي، بالإضافة إلى الحرب الدينية التي يعلنها التنظيم. وحمل هذا الفيديو الدعائي، عنوان "رسالة موقعة بالدماء إلى أمة الصليب".

"
تحتل بلدة دابق، أهمية رمزية استثنائية في خطاب داعش

"

ولإظهار الفرق، بين حضور البعد الملحمي في أدبيات تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، بينما لنشأته أسباب أخرى تتعلق بالدولة والطائفية، وبين كون التنظيم قائما على الخطاب الملحمي بشكل كامل، يمكن مقارنة حالة "داعش"، بحالة أخرى، ملحمية بصورة كلية، وهي حادثة احتلال الحرم المكي، في السعودية، من قبل جماعة جهيمان (جهيمان بن محمد بن سيف الضان الحافي الروقي العتيبي)، في عام 1979.

حينها قام جهيمان وأتباعه باحتلال الحرم، ولم يكونوا يحملون خطاباً سياسياً واضحاً، كما أن الحركة لم تكن ذات امتداد شعبي في السعودية. احتلت الحركة الحرم في رأس السنة الهجرية 1-1-1400 (20 نوفمبر/تشرين الثاني 1979)، وأعلن قائد الحركة، جهيمان، مبايعته محمد بن عبدالله القحطاني، باعتباره "المهدي المنتظر الذي سينشر العدل في العالم آخر الزمان". تلك الحادثة التي انتهت بمقتل القحطاني المهدي المزعوم، وإلقاء القبض على جهيمان، الذي تم إعدامه لاحقاً، لا كما كان يعتقد هو بحسب كتب التراث، بأن "الجيش الذي سيتوجه لمحاربة المهدي ستخسف به الأرض".

بهذ المعنى، يكون حضور البعد الأسطوري، بحسب مراقبين، في نشأة "داعش" وتكوينه، محدوداً، مقارنة بالبعد السياسي والاجتماعي. ومن هنا لا يكون طرد التنظيم من بلدة دابق، نهاية لخطاب التنظيم، وإن كان سيساهم من دون شك، في إضعاف فاعلية هذا الخطاب، خصوصاً أنه يتراجع عسكرياً منذ مطلع عام 2015، في الوقت الذي كان يروج فيه شعار "باقية وتتمدد"، في إشارة لـ "دولة الخلافة" التي يرى التنظيم أنها ستنتصر في النهاية، وتحتل العاصمة الإيطالية، روما، قلب العالم المسيحي، وفقاً للتنظيم.

اقــرأ أيضاً

المصدر : العربى الجديد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق