اخر الاخبار عن وميض نظمي

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

يقول الإمام علي بن أبي طالب "الرجال يُعرفون بالحقّ، وليس الحقّ يُعرف بالرجال". والمثقف العراقي النظيف، وميض نظمي، أحد هؤلاء النادرين النبيلين الذين يُعرفون بالحقّ في هذا الزمن العربي الأغبر. عرّفنا بمناقبيّته العلمية تلاميذ درسوا عليه في جامعة بغداد. وعرفنا فكره وعروبته النقيّة في كتبٍ وأبحاث ومقالات عديدة نشرها. وكذلك في نشاطه من أجل أبناء وطنه في سنوات الحصار القاسي، بعد حماقة غزو الكويت. وأيضاً في ثباته في العراق، مرابطاً بين تلاميذه وأهله، على الرغم من متاعب غير قليلة إبّان استبداد صدّام حسين، وفي غضون ذلك الحصار. وفي سنوات الاحتلال الأميركي وسلطة المليشيات والحكم الفاسد، آثر أن يبقى، ويكتفي بتلبية دعواتٍ للمشاركة في مؤتمراتٍ في الخارج، على الرغم من عروضٍ تلقاها للعمل في غير جامعةٍ ومؤسسةٍ عربية، وهو الأكاديمي المرموق، وخرّيج الدكتوراه من بريطانيا، ولجهوده في دراسة التاريخ السياسي والاجتماعي للعراق أهميتها العلمية. وكان اعتصامه في وطنه شاهداً مضافاً على تبتّله وزهده ورفعة شخصيته الرائقة، لا سيما وأنه حافظ على نظافته الوطنية، وبقي صوتاً ديمقراطياً، مناهضاً للاحتلال، داعياً إلى حماية الهوية العربية والإسلامية للعراق. وإذ لا يعني التأشير إلى هذا الأمر لدى وميض نظمي مسّاً بعراقيين كثيرين اختاروا العمل والإقامة خارج بلدهم، إلا أن "أبو جمال" دلّ على أن في الوسع أن يكون المثقف العراقي مثالاً، ونموذجاً، عندما يطرأ الاختبار الصعب، والخيار الأصعب.
لمّا نعاه الناعي، الأسبوع الماضي، جاءت إلى ذاكرة صاحب هذه السطور الواقعةُ غير المنسية، لمّا تناظر، رحمه الله، في برنامجٍ حواريٍّ، في فضائية أبوظبي، بعد نحو شهرين من بدء الاحتلال الأميركي للعراق، مع متحدثٍ باسم تشكيل أحمد الجلبي. ساعتها، ساق هذا زعمَه الأخرق عن "عمالة" أستاذنا لنظام صدّام حسين، فيما بادر الراحل إلى قول الحقّ عن عمالة المذكور وجميع المعارضة التي قدمت مع قوات الاحتلال، فأقدم هذا (انتفاض قنبر) على الاعتداء جسدياً على الدكتور وميض، وهدّده علناً بالقتل، فطالبت الفضائية الجلبي وحزبه المصنوع باعتذارٍ مكتوب لضيفها. ثم كتب الراحل إلى "المؤتمر القومي العربي" الذي كان قد ساهم في تأسيسه رسالةً عدّ فيها "القتل بالرصاص الأجنبي ومرتزقته نعمةً كريمةً، وبمثابة صرخة احتجاج أخيرة على ما آلت إليه أمتنا العربية".
لم يزلّ وميض نظمي يوماً إلى مديح صدّام ونظامه، بل كان، في مناسباتٍ مشهودةٍ، يقرن رفضه الاستقواء بالأجنبي بنقد التسلط، كأنه كان يصنع لنفسه هامشاً محدوداً ممكناً. وبذلك، حاز احترام سلطة "البعث"، من دون نفاقٍ منه لها، أو تزلّفٍ لها. وقد عُرضت عليه مناصب في أثناء "العملية السياسية" التي استجدّت بعد الاحتلال، لكنه آثر عليها موقعه أستاذاً جامعياً، صدوراً عن قناعته بأن عمله هذا واجبٌ أخلاقي والتزامٌ وطني، عليه أن يقوم به تجاه شبّان بلده، وفي موازاةٍ مع فاعليته هذه، انخرط في "التيار الوطني الديمقراطي" الذي ضم نخبةً عراقيةً، أكّدت رفضها "كل ما ينجم عن وجود الاحتلال وسياساته". ويتذكّر المشاركون والمدعوون في مؤتمرٍ بمناسبة عشر سنوات على غزو العراق في ربيع 2013، نظّمه في الدوحة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مساهمة وميض نظمي في مناقشاته، وقد أكّد فيها المؤكّد عنه، وهو الذي كان قد سمّى التاسع من إبريل/ نيسان يوم العار الوطني. وفي سيرته أن نشاطاته، في شبابه المبكر، ضد نوري السعيد، اضطرته إلى الخروج إلى بيروت لدراسة الثانوية العامة، وكان صاحب قناعاتٍ عروبية، أنضجتها لاحقاً التجربة والثقافة، فحاز احترام العراقيين الأكراد، وأنجز دراسةً مقدّرة عن شيعة العراق والقومية العربية.
رحم الله وميض نظمي.. تعرّفتُ إلى اسمه وشخصه في الرباط، في واحدٍ من أيام القلق على العراق، بعيْد غزو الكويت وقبيْل حرب 1991. جاء من بغداد إلى مؤتمرٍ ثقافي، وسمعنا منه تحذيراً من مخاطر ما كان يتم تدبيره للعراق، وانتقد قرار غزو الكويت.. ثم جرى ما جرى. وفي الأثناء، كنت أقرأ ما أصادفها من مقالاتٍ للراحل الكبير، فأزيد تقديراً لشخصه، ولمنافحته النظيفة عن عراقٍ آخر، غير الذي نرى.

المصدر : العربى الجديد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق