اخر الاخبار نذير إسماعيل.. تراب أحمر من دمشق

0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة

وجوه تُثبّت نظرها باتجاهنا، تراقبنا بصمت، حزينة تنتشر في أرجاء اللوحة، تحطّ الطيور فوقها وكأنها أعشاشها الأزلية، تتلاصق أحياناً وتتنافر أحياناً أخرى. تحتشد بشكل اعتباطي فوق بعضها، وأيضاً بانتظام، ليكسر إيقاعها وجهٌ رُسم بالمقلوب. إنها وجوه التشكيلي السوري نذير إسماعيل (1946 - 2016)، الذي رحل في دمشق مؤخّراً، عن ثمانية وستّين عاماً، إثر انتكاسة صحّية حادّة ألزمته المشفى في الأيام الأخيرة.

وسمت الوجوه (البورتريه) تجربة إسماعيل الممتدّة لأكثر من أربعين عاماً، أقام خلالها عشرات المعارض الفردية وشارك في عشرات المعارض الجماعية في البلاد العربية وأوروبا، كان آخرها معرضه الشخصي في "غاليري آرت أون 56" في العاصمة اللبنانية بيروت، ونال خلال مسيرته الفنية، مجموعة من التقديرات؛ مثل الجائزة الثالثة في "معرض الشباب" في دمشق عام 1971، و"جائزة إنترغرافيك" في برلين عام 1980، والجائزة الثالثة في "بينالي الشارقة" عام 1996.

انجذب إسماعيل منذ سنوات طفولته الأولى باتجاه اللون. كان يضع خيوط الصوف الملوّنة، التي كان يجمعها من متجر حياكة البسط القريب من منزل العائلة في حي الميدان الدمشقي ليراقب انحلالها في الماء.

"
اعتبر الجانب التقني في اللوحة أساسياً وصنع أدواتها بنفسه
"

كما كان يراقب أبو صبحي التيناوي، الفنان الفطري المعروف، وهو يرسم ويلوّن أبطال القصص الشعبية على الزجاج؛ حيث كان متجر الأخير ملاصقاً لبيت جدّ الفنان.

تلك التفاصيل أثّرت بشكل واضح على بداية تشكّل وعي جمالي عند نذير الطفل، وقد يكون التيناوي هو أول من دفعه باتجاه الرسم. "كانت مراقبة التيناوي وهو يرسم بالنسبة لي كالمكافأة"، يقول إسماعيل في إحدى مقابلاته.

لكن نقطة التحوّل الأساسية في حياة الفنان التشكيلي السوري كانت لقاءه مع فاتح المدرّس (1922 - 1999)، الذي ساهم بدفع إسماعيل باتجاه احتراف الرسم، سواء بإعطائه للملاحظات والتوجيهات وخطط العمل، أو بإرشاده إلى "مركز الفنون التطبيقية"؛ حيث تابع دروس الرسم والشاشة الحريرية، ليلتحق بعدها بـ"مركز الفنون التشكيلية" (مركز أدهم إسماعيل حالياً) عام 1966.

e764b4f7d8.jpgتردّد الفنان، في تلك الفترة أيضاً، على "جمعية أصدقاء الفن"، التي تُعتبر أقدم تجمّع تشكيلي في سورية (أُسّست عام 1963)، وهناك، يتعرف على مجموعة من الفنّانين السوريين، وقد شكلت الجمعية بالنسبة إليه منصّة للتجريب وتبادل الخبرات، من خلال ورشات العمل والحوار.

المتابع لتجربة الفنان الراحل يعرف تماماً غنى أدواته وتنوّع تقنياته، وإسماعيل واحد من الفنّانين الذين يعتبرون الجانب التقني في اللوحة أساسياً، كما الجانب الإبداعي، فهو، تقريباً، يصنع كل أدواته بنفسه، حتى الورق الذي يرسم عليه. الرسام، بحسب إسماعيل، عندما يصنع أدواته، فهو يقترب أكثر من فهم ميكانيزم بناء العمل الفني.

رسم الفنان على خامات عديدة: مواد مهملة، وظروفاً بريدية، كما رسم على الجريدة والتي يبرّر استخدامها بكونها واحدة من التعبيرات الثقافية عن المدينة.

لدمشق، المدينة التي وُلد فيها عام 1948، مكانة مميّزة في حياة إسماعيل؛ ففي نهاية التسعينيات قام بإنجاز ثلاثين عملاً مُنفَّذاً بتقنية الشاشة الحريرية، بالاعتماد على مرجعيات فوتوغرافية عن المدينة.

3c18d38101.jpgوبما أن العمارة الدمشقية اعتمدت على المواد الطبيعية في بنائها، فقد تقصّد إسماعيل أن تكون ألوان طباعة الشاشة الحريرية من التراب الأحمر الذي جلبه من منطقة تل المسيح في شهبا.

يغادرنا نذير إسماعيل، تاركاً وراءه ميراثاً غنياً من لوحات الوجوه. إنها وجوهنا وهي ترصد تحولات الزمن العنيف في المدينة.

المصدر : العربى الجديد

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق