اخبار اليوم كارثة تهميش الأحزاب السياسية

0 تعليق 4 ارسل لصديق نسخة للطباعة

أخطر ما يمكن أن نواجهه خلال هذه الرحلة هو أن يستقر فى يقين الجميع أن التعددية الحزبية ظاهرة زائدة على الحاجة، وأن مجرد التساؤل عن أسباب ركود - أو غياب - النشاط الحزبى، سابق لأوانه، لأن مصر تواجه من المشاكل والصعوبات والمؤامرات ما يفوق قدرة أى نظام للحكم على التصدى لها جميعاً فى وقت واحد، ومن واجبنا - والأمر كذلك - أن نرتب أولوياتنا، بحيث نتصدى للخطر الأكثر ضراوة، والذى تتولد عنه كل الشرور، وهو خطر الإرهاب الأسود الذى يحيق بنا من كل جانب، وما يتولد عنه من أزمات اقتصادية وسياسية، محلية وإقليمية ودولية، وأن نؤجل الانشغال بالإصلاحات الديمقراطية، وفى مقدمتها إرساء قواعد التعددية الحزبية إلى الوقت الذى ندحر فيه هذا الإرهاب، حتى لا يستغل «الغربان» الإرهابيون هذه الإصلاحات الديمقراطية فى تحريض على العنف وإشاعة الفوضى، لتطبيق شعارهم الدائم «الخراب هو الحل».

ذلك منطق لا يخلو من وجاهة، لولا أنه طبق قبل ذلك فى أواخر عهد الرئيس مبارك، وأثبت عدم جدواه، ولو كان النظام قد أخذ آنذاك بنصيحة الإصلاحيين، فألحق كل خطوة يتخذها على صعيد الإصلاح الاقتصادى بخطوة على طريق الإصلاح السياسى، لما تفجرت ثورة 25 يناير، عبر عمل شعبى عفوى يفتقد القدر الكافى من التنظيم والوعى، ولما تمكن «الغربان الإرهابيون» - الذين كانوا القوة الوحيدة المنظمة وإلى حد ما التى تعى ما تريد - من اختطاف الثورة، ليؤسسوا على أنقاضها دولة دينية فاشية، ولما اضطر الشعب المصرى للقيام بثورة أخرى لإجلائهم عن السلطة..

مشكلة هذا المنطق - الذى يبدو مقبولا من أجنحة فى السلطة القائمة- هى أنه قد خلق حالة من الفراغ فى الساحة السياسية، أتاحت لجماعات غير منظمة، تتسم غالباً بالفوضوية، القيام بأنشطة يستغلها الغربان الإرهابيون لصالحهم، كما حرم هذه السلطة من الاستفادة بآراء - ودعم - الأحزاب السياسية التى تؤيد الخطوط العامة لسياسته، على الرغم من الخلاف بينهما فى بعض التفاصيل، خاصة على صعيد البحث عن حلول أفضل للمشاكل التى يستغلها العدو المشترك للطرفين فى إثارة مناخ من السخط العارم لدى الجماهير.

وإذا كان من الإنصاف للسلطة القائمة أن نعترف بأنه لا يوجد ما يدل على أنها اتخذت أى إجراء يحول بين أى حزب من الأحزاب وبين ممارسة نشاطه، فمن الإنصاف للحقيقة كذلك أن نقول إن هذه السلطة تتصرف وكأنه ليس فى مصر أحزاب سياسية من الأصل، وأن المادة الخامسة من دستورها لعام 2014 لا تقول صراحة إن نظامها السياسى يقوم على أساس التعددية السياسية والحزبية، فعلى الرغم من تعدد الفئات الشعبية التى يحرص الرئيس عبدالفتاح السيسى على الالتقاء بممثلين لها، لكى يتحاور معهم فى الشؤون العامة، ويستمع إلى آرائهم ويستمعوا إلى وجهات نظره، من الشباب إلى النساء، ومن المثقفين إلى الإعلاميين، ومن العلماء إلى ذوى الاحتياجات الخاصة، لم يدعُ حتى الآن رؤساء الأحزاب السياسية أو على الأقل الأحزاب الممثلة فى مجلس النواب، منفردين أو مجتمعين، للالتقاء به، وفيما عدا بعض المآدب الرسمية والاحتفالات العامة التى يُدعون إليها مع مئات غيرهم لم يجد ضرورة لدعوة ممثلين للأحزاب السياسية، لاستشارتهم فى بعض القضايا المحورية التى تتعلق بالشأن العام.. وكان طبيعياً ألا يتحمس رئيس الوزراء أو الوزراء أو المحافظون لدعوة خبراء هذه الأحزاب فى المجالات المختلفة لعمل السلطة التنفيذية، للاستنارة بآرائهم أو على الأقل تنويرهم بما لدى الحكومة من قيمة مضافة.

ما يتوجب على مستشارى الرئيس أن يتنبهوا إليه وأن يحرصوا على تذكيره به فى زحمة الهموم والمشاكل المعقدة التى تحوط بنا وبالوطن، هو أن المستفيد الوحيد مما يبدو أنه سياسة تهميش الأحزاب السياسية، هم هؤلاء الذين يسعون لاستغلال حالة الفراغ التى تترتب عليها، وما يعانيه الوطن من مشاكل اقتصادية صعبة، لكى يضيفوا إلى سجل سوابقهم سرقة ثورة 30 يونيو بعد أن سرقوا ثورة 25 يناير.. وهو فراغ لا يمكن سده إلا بإعادة بناء التحالف الذى قاد ثورة 30 يونيو وترميم ما قد يكون تعرض له من تصدعات، وتلك مهمة تتطلب أن يعطيها الرئيس عبدالفتاح السيسى أولوية قصوى ضمن اهتماماته المتشعبة، بأن يفتح الباب لحوار وطنى مع أطراف هذا التحالف على نحوٍ يتيح الفرصة لمشاركتها جميعاً فى القيام بواجبها فى الدفاع عن ثورة 30 يونيو فى مواجهة كل المؤامرات.

أما الذى يتوجب على الأحزاب السياسية- وبالذات التى شاركت فى بناء تحالف 30 يونيو - أن تفعله فهو أن تعترف بأن تجاهل السلطة التنفيذية لها، وسعى بعض الأطراف لتهميشها ليس السبب الوحيد لحالة الركود التى تعانى منها، وأن عليها أن تبحث منفردة ومجتمعة عن هذه الأسباب فى أوضاعها الداخلية، سواء كانت تنظيمية أو سياسية، وأن يبادر من يستطيع منها بالدعوة لإحياء روح 30 يونيو، حتى لا يتوهم «الغربان» الإرهاربيون أن باستطاعتهم أن يضيفوها إلى سجل سوابقهم فى السرقة!

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق