اخبار اليوم ضرورة رد الاعتبار للمستشار هشام جنينة

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

حسناً فعلت صحيفة «المصرى اليوم» (23/8/2016)، بإجرائها حديثاً مستفيضاً مع المستشار هشام جنينة، الذى ظل صامتاً لعدة أشهر، بعد أن مزّقت سُمعته وسائل الإعلام الحكومية، وبعد الطريقة المُهينة، التى اتبعها النظام فى إقالته من منصبه كرئيس للجهاز المركزى للمحاسبات، فى أعقاب تصريح له عن حجم الفساد خلال عدة سنوات فى العقد الأخير. أى بما فيها سنوات حُكم المجلس العسكرى، ثم حُكم الإخوان المسلمين، والسنة الأولى من رئاسة عبدالفتاح السيسى.

وكان المستشار الجليل قد اختار ألا يتحدث إلى الرأى العام، خلال التحقيقات والمُحاكمة، حفاظاً منه على التقاليد القضائية المصرية، والتى لا يمنعها أى قانون، ولكن كان الأكثر تحوطاً، بُحكم خلفيته القانونية المُمتدة.

وأنا لا أعرف هشام جنينة شخصياً، ولكنى تعاطفت معه منذ بداية الحملة التى شنّها النظام عليه، فقد خبّرت، كما عدد آخر من الشخصيات العامة، مثل هذه الحملات المسعورة التى يُشّنها النظام على مُعارضيه، أو المُختلفين مع مُمارساته. نعم، شن نظام الرئيس الأسبق محمد حُسنى مُبارك حملة مُماثلة فى إعلامه، الذى لم يكن هناك إعلام غيره. واستمرت تلك الحملة الظالمة ثلاث سنوات (2000-2003)، أثناء حبسى وسجنى. ورغم تبرئتى بُحكم تاريخى من محكمة النقض، وهى أعلى محاكم الديار المصرية، فإن ذلك الإعلام لم يُكلف خاطره رد الاعتبار لى ولعشرين من زُملائى من العاملين فى مركز ابن خلدون، الذين سبق لتلك الوسائل أن اجتهدت، بل تنافست فى اغتيال شخصياتهم.

لقد كانت قضية الفساد فى أجهزة الدولة هى القضية التى بسببها وقع ما وقع للمستشار هشام جنينة. وقد بدأت القضية كما يذكر من تابعوها، بتكليف الرجل، بصفته كان رئيساً للجهاز المركزى للرقابة الإدارية، وبخلفيته القضائية، أن يرأس فريقاً مُتخصصاً لدراسة تكلفة الفساد فى أجهزة الدولة المصرية. ولبّى الرجل التكليف الذى كان قد صدر إليه من د. محمد مُرسى، رئيس الجمهورية الأسبق.

وبعد سنتين تقريباً، انتهى هشام جنينة وفريق الدراسة إلى أن تكلفة الفساد فى الأعوام الخمسة التى شملتها الدراسة (2010-2015) قد بلغت ستمائة مليار جنيه. وكان إعلان ذلك الرقم صادماً للرأى العام، وأكثر من ذلك لما يُسمى فى مصر بالوزارات والجهات السيادية ـ أى رئاسة الجمهورية وأجهزة الأمن ورئاسة الوزراء، ووزارات الداخلية والخارجية والدفاع، والرقابة الإدارية، والمركزى للمُحاسبات، والمركزى للتعبئة والإحصاء.

والغريب والمُريب، أن الرئيس عبدالفتاح السيسى نفسه قد اعترف فى أكثر من مُناسبة عامة بوجود فساد فى أجهزة الدولة، ودعى الرجل لمُحاصرة ذلك الفساد، أو الإبلاغ عنه للنيابة العامة أو أحد الأجهزة الرقابية. بل إن للرئيس السيسى نفسه تصريح مشهور عن اهتراء المؤسسات العامة، والتى بسببها وصف مصر بأنها شبه دولة.

وعودة إلى موضوعنا، هشام جنينة، هناك احتمال أن تكون قد حامت حول ذلك المستشار الجليل، شبهة أنه ذو ميول «إخوانية»، وهى الشُبهة التى أصبحت بمثابة «فزّاعة»، شأنها شأن شُبهة العمالة للخارج، حتى لو لم يكن هناك ما يؤكد تلك الشُبهة. وربما كان تعيين الرئيس الإخوانى لهشام جنينة رئيساً للجهاز المركزى للمُحاسبات، هو ما جعل الرئيس السيسى، وربما معه المجلس العسكرى، يأخذ بالأحوط، لا فقط بعزل الرجل من منصبه الذى يتمتع بحصانة دستورية، ولكن أيضاً بتشويه صورة الرجل. فالأعراف السياسية المصرية، هو أنه فى حالة الخلاف بين من هم فى السُلطة، يقوم الرئيس بإقالة المُختلف أو المُختلفين دون ضجيج أو إسفاف. وهو ما لم يحدث مع المستشار هشام جنينة.

ثم إن الرئيس عبدالفتاح السيسى نفسه، كان قد جرى تعيينه بنفس الطريقة، حيث قام الرئيس الأسبق محمد مُرسى، بترقيته إلى رُتبة فريق. ووقتها حامت أيضاً شُبهات مُماثلة، غزّتها حقيقة أن السيسى نشأ فى حى الجمالية قُرب الأزهر الشريف، وأنه شغل موقع مستشار عسكرى فى سفارة مصر بالمملكة العربية السعودية، وأن السيدة حرمه مُحجبة.

إننى أدرك أن الثقافة السياسية المصرية لا تعرف تقليد الاعتراف بالخطأ. كما لا تغرس فى أبنائها فضيلة الاعتذار عن الخطأ. كم منا يذكر أن شخصية عامة اعترفت بخطأ؟ ومن منا يعرف مسئولاً اعتذر عن ذلك الخطأ؟

ربما كان أقرب شىء أو أقرب سابقة فى هذا الصدد، هو اعتراف الرئيس الراحل جمال عبدالناصر عن مسؤوليته عن هزيمة مصر المروّعة مع إسرائيل فى يونيو 1967. وكان اعتذاره الضمنى هو تقديم استقالته من منصبه كرئيس للجمهورية. وهى الاستقالة التى رفضتها جماهير الشعب، وقتها، رغم الجرح الغائر الذى أحس به الشعب نتيجة تلك الهزيمة.

إن المستشار هشام جنينة كان ضحية أسوأ ما فى الثقافة السياسية المصرية من ثقافة العار. وقد آن الأوان ونحن نبنى مجتمعاً جديداً، أن نستحدث فيه ثقافة الاعتذار، ورد الاعتبار لذلك المستشار الجليل.

لقد سبق لهذا الكاتب، الذى عارض الرئيس الراحل أنور السادات، فى حياته ألا يتردد، بعد عشر سنوات من رحيله، أن يُعيد تقييم ذلك الزعيم، ويرد له الاعتبار فى كتاب حمل عنوان: «رد الاعتبار للرئيس أنور السادات» (دار الشروق، 1993) فلنفعل نفس الشىء للمستشار هشام جنينة.

اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد.

وعلى الله قصد السبيل.

[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق