اخبار اليوم نحن وإسرائيل ومعركة الصورة

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

خلال عقود طويلة، نجحت إسرائيل منذ قيام كيانها العنصرى العدوانى فى نشر وترويج صورة نمطية عنها فى الأغلبية الساحقة من المجتمعات الغربية، سواء فى أوروبا أو فى الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تكونت هذه الصورة من وجهين، نجحت الدعاية الإسرائيلية فى الربط الوثيق بينهما وجعلهما وجهى عملة واحدة: الأول هو أن إسرائيل تعد دولة ومجتمعاً مثاليين خاليين من أى صورة أو أثر للتمييز العنصرى الداخلى أو التمييز الخارجى الموجه للدول والمجتمعات والشعوب الأخرى، بل إنها ظلت موضوعاً لمثل هذا التمييز الموجه إليها من أطراف عديدة فى العالم، فى مقدمتهم جيرانها من الدول والمجتمعات العربية. وتعلق الوجه الثانى للصورة الدعائية الإسرائيلية بهذه المجتمعات والدول العربية التى قدمتها باعتبارها مثالاً بارزاً لتمييزات عنصرية داخلية كثيرة ضد قطاعات مختلفة من سكانها، وأخرى خارجية موجهة إلى الغرب عموماً، وإن تركزت بصفة رئيسية ضد إسرائيل نفسها كدين ومجتمع ودولة.

وقد نجح صناع السياسة الخارجية الإسرائيلية ومسؤولو الإعلام والرأى العام والدعاية السياسية فى الدولة العبرية وأنصارهم خارجها فى صناعة تلك الصورة غير الحقيقية وترويجها على أوسع نطاق فى العالم كله والعالم الغربى بصفة خاصة. وقد اعتمد هذا الترويج لتلك الصورة المشوهة المصطنعة على استثمار أمرين تاريخيين: الأول هو مشاعر الذنب العميقة لدى معظم الشعوب والمجتمعات الغربية، وبخاصة الأوروبية، تجاه اليهود وما حاق بهم من حملات اضطهاد منظم فى التاريخ الأوروبى، كانت الحرب العالمية الثانية آخرها. وفى هذا السياق، نجحت الحملات الدبلوماسية والإعلامية الإسرائيلية والصهيونية فى الدول الغربية فى محو كل التفاصيل والملابسات التاريخية التى أحاطت بتلك الحملات ومسؤولية اليهود عن بعضها، وتقديمها للرأى العام الغربى وكأنها «حقائق» لا تحتمل الاختلاف، ويبدو فيها اليهود هم الضحية الوحيدة تقريباً لحملات التمييز والعنصرية التى شهدها التاريخ الغربى. كذلك فقد نجحت الدعاية والدبلوماسية الإسرائيلية فى التذكير الدائم بهذه الوقائع التاريخية التى قدمتها للرأى العام الغربى بصورتها هذه، لكى تشعره طيلة الوقت بمشاعر الذنب، التى نجحت أيضاً فى تحويلها إلى أشكال متنوعة من المساندة والدعم المادى والمعنوى للدولة العبرية منذ قيامها باعتبارها الممثل الوحيد لكل يهود العالم كما نجحوا فى تقديمها.

أما الأمر الثانى الذى اعتمد عليه مسؤولو الإعلام والدبلوماسية والدعاية السياسية فى الدولة العبرية وحلفاؤهم خارجها فى صناعة الصورة غير الحقيقية المشار إليها وترويجها فى العالم كله، فهو تلك الصورة التاريخية النمطية المصطنعة والمنتشرة فى كثير من الأوساط الغربية عن المجتمعات والدول العربية باعتبارها مجتمعات ودولا متخلفة، تزخر بمظاهر التمييز ضد «الآخر» المختلف عنها داخلياً وخارجياً. فقد استغلت الدعاية الإسرائيلية كثيراً من الوقائع والمشاهد التى تجرى أحياناً فى بعض الدول والمجتمعات العربية تجاه بعض المجموعات أو الأفكار أو الثقافات الموجودة بداخلها أو خارجها والتى يمكن أن تفسر باعتبارها «تمييزاً» أو ممارسة «عنصرية»، فى تعميق وترويج تلك الصورة المصطنعة الزائفة لهذه المجتمعات والدول، باعتبارها مجتمعات ودولا ذات طابع عنصرى وتمييزى ضد «الآخر» أياً كان. وفى هذا السياق، روجت الدعاية الإسرائيلية على أوسع نطاق ممكن بعض الوقائع المختلقة التى لم يثبت قط حدوثها تاريخياً من أجل مزيد من التشويه للصورة العربية على النطاق العالمى، ومنها مثلاً مقولة «إلقاء إسرائيل فى البحر» التى نسبتها تلك الدعاية لعديد من المسؤولين العرب الكبار، فى حين أنه ثبت أنها لم تصدر من أى واحد منهم على الإطلاق.

وبالإضافة لهذين الركنين الرئيسيين اللذين ارتكزت عليهما الدعاية الإسرائيلية لتشويه صورة العرب وتنظيف صورة إسرائيل حول العالم، فقد نجحت هذه الدعاية فى تحقيق القسم الأكبر من أهدافها، لتميزها بالاستمرار والإصرار والتخطيط المدروس والاستفادة من كل الطاقات والإمكانيات التى يمكن أن تتاح أمامها. وظل هناك قبل كل هذا الإدراك الإسرائيلى لأهمية الصورة عن الذات وعن الآخر فى العالم، والأدوار الرئيسية التى تلعبها فى تحديد المواقف، وانتهاج السياسات وتوجيه الموارد المادية والمعنوية، ومن ثم وضع مهمة بناء الصورة الإيجابية عن الذات الإسرائيلية والسلبية عن الآخر العربى فى أولويات التحرك الإسرائيلى فى العالم.

إلا أن ما يذكره المَثل المعروف من «أنك تستطيع أن تخدع كل الناس لبعض الوقت أو بعض الناس لكل الوقت، ولكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس لكل الوقت»، قد بدأ يتحقق على الصعيد السياسى والإعلامى العالمى فى الفترة الأخيرة. فمؤخراً، بدأ زيف تلك الصورة النمطية المصطنعة المزدوجة التى تروجها إسرائيل عن نفسها وعن الدول والمجتمعات العربية يتضح للعالم، وهو ما دفعت إليه عوامل عديدة. فى مقدمة تلك العوامل، يقف التورط الإسرائيلى - دولة وسكاناً ومستوطنين - فى سلاسل متلاحقة من الأعمال والأقوال العنصرية، ليس فقط ضد الفلسطينيين أو العرب والمسلمين، بل أيضاً ضد دول وشعوب وثقافات أوروبية وغربية، وضد قطاعات واسعة من الإسرائيليين أنفسهم. فبداخل الدولة العبرية، اليوم، تتعالى أصوات لا حصر لها، تئن من وطأة الممارسات العنصرية الإسرائيلية تجاه من يحملون جنسية هذه الدولة، ويدين معظمهم بدينها الرسمى، أى اليهودية. فهناك اليهود الشرقيون بمختلف طوائفهم، وهناك اليهود الروس والمهاجرون من دول الاتحاد السوفيتى السابق، وهناك اليهود السود القادمون من دول أفريقية وفى مقدمتهم الفلاشا، وهناك السيدات والعمال المهاجرون وطوائف وفئات اجتماعية أخرى عديدة بدت اليوم فى موضع الضحية المباشرة لممارسات عنصرية وتمييزية تخرق العين بداخل الدولة العبرية نفسها. وإلى جانب ذلك، تعددت مؤخراً مقولات وممارسات التمييز والعنصرية ضد الأديان الأخرى، ومن بينها المسيحية، وكذلك ضد بعض الشعوب والمجتمعات الغربية، منها الشعب الفرنسى الذى مثّل هدفاً مستمراً لتلك الممارسات الإسرائيلية.

إذن فقد بدأ العالم يتعرّف على بعض حقيقة ما يحدث فى إسرائيل، أو ما تقوم به من ممارسات عنصرية وتمييزية سواء فى داخلها أو ضد «الآخر» فى خارجها. إن استكمال إظهار حقيقة ما يحدث فى الدولة العبرية من تمييز وممارسات عنصرية للرأى العام العالمى ليس واجباً عربياً رسمياً فقط، بل هو اليوم واجب على كل المنظمات والجمعيات والهيئات الأهلية المدافعة عن حق الإنسان - أى إنسان - فى العالم العربى، والتى لا نلمح أثراً لنشاطها فى هذا المجال خلال السنوات الأخيرة. وبالطبع، فإن نفس المهمة تبدو واجبة على المنظمات والجمعيات الدولية المناظرة فى دول الغرب جميعا، ليس من أجل الدفاع عن العرب، ولا من أجل الهجوم على إسرائيل، بل من أجل الدفاع عن الحقيقة التى يجب أن يعرفها العالم كله ويحافظ على نقائها.


[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق