اخبار اليوم المشكلة فى الشعب؟!

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

كلما اشتدت الأزمة الاقتصادية فى مصر انتشرت بجانب نظريات «المؤامرة الكونية»٬ خطابات فى الإعلام أو السوشيال ميديا٬ أو غيرها، مفادها أن الشعب هو المشكلة!، والغريب هو انتشارها كالنار فى الهشيم وبسرعة!. فالشعب وفقًا لأصحاب هذه الأحاديث٬ سيطر عليه الفساد حتى النخاع واستوطن٬ وهو يتسم بالكسل وليس بالبطالة. وهو شعب يستهلك ويستورد السومون فوميه٬ وفوانيس رمضان ولا ينتج أو يصدر. وهى كلها مقولات تفتح الباب لأفكار مثل أن الاستيقاظ مبكرًا هو الحل بما أن الشعب يسهر ليلاً وينام فى الصباح على مكتبه٬ وأن علاج مشكلة ارتفاع الدولار يكمن فى وقف الاستيراد٬ والعمل بجدية من أجل التصدير (هكذا ببساطة)٬ وأن البطالة ستختفى لو بدأت الناس تهم٬ وتشتعل لأن العمل متوفر٬ وكله تمام والحمدلله!.

والكارثة هنا هى أن هذه المقولات تتجاهل علوما مثل الاقتصاد والسياسة والإدارة٬ وتتبرع بحلول ساذجة لمشكلات معقدة فتبنى عالمًا ورديًا مع أنه وهمى. فعليًا٬ تفشى الفساد بهذا الشكل هو نتاج لضعف دولة القانون فى مصر. فالفرق بين الأخيرة وبين دول أخرى لا تعانى منه لا يكمن فى أن شعبها جميل وغير فاسد بل فى وجود أطر قانونية تردع الفساد والمحسوبية٬ وأجهزة قوية وعادلة للدولة قادرة على تطبيق القانون وإعماله. ومع مرور الوقت٬ يترسخ تطبيق القانون٬ فتصبح الأمانة والشفافية ثقافة عامة للمجتمع والشعب. كما يغمض أصحاب هذه الخطابات أعينهم عن مصطلح «سوق العمل»٬ ويتناسون متطلباته!، فقدرات الاقتصاد وإمكانياته هى التى تخلق فرص العمل٬ وهى التى تحدد متطلبات سوق العمل٬ وبالتالى٬ فإنك كمواطن لو همّيت من هنا إلى الصبح٬ فإن إيجادك لعمل يتوقف على قدرة سوق العمل على توفيرها لك. بل أعقد من ذلك٬ يمكن أن تتوافر بعض الفرص من دون أن تكون مناسبة لإمكانياتك أو دراستك٬ وهو أمر معروف اقتصاديًا باسم «البطالة الهيكلية» التى تنتج عن هيكل الاقتصاد بما يؤثر على تركيبة سوق العمل وقدرته على خلق فرص فى مجالات معينة. ومن ناحية أخرى٬ فإن التعثر الدائم للشركات الحكومية لا يرجع بالضرورة إلى تكاسل العمال٬ بل (ربما أساسًا) إلى فشل مجالس إدارة هذه الشركات المعينة من قبل الحكومة٬ هذا بالإضافة إلى أن ترهل الجهاز الإدارى للدولة لا يرجع فقط إلى تكاسل أو فساد موظف هنا أو هناك٬ بل إلى تلف منظومة العمل كلها من حيث سوء ظروف العمل٬ وضعف مرتبات صغار الموظفين. فقبل أن تتحدث عن الرشاوى والشعب الغارق فى الفساد٬ ناقش نمط السياسات الاقتصادية المتبعة وأثرها على الأجور والمرتبات لاقتلاع المرض من جذوره. وهنا٬ نتساءل أيضًا أين دور السياسات العامة أو الاقتصادية للدولة فى هذا الجدل؟ هل يمكن للمجتمع أن ينجح فى الإنتاج والتصدير هكذا فقط بالهمة والنشاط من دون أن تتبنى الدولة نموذجًا للتنمية والتصنيع٬ وترسم سياسات واضحة وواقعية فيما يتعلق بدعم الصادرات؟ وهل يمكن للمجتمع أن يتطور فى وقت لا تتبنى فيه الدولة سياسات عامة لتحسين التعليم٬ وتنفق عليه ما لا يتعدى 9٪ من إجمالى الإنفاق العام؟

بالتأكيد٬ لا نسعى هنا إلى رفع المسؤولية عنا كمواطنين٬ فلسنا شعبا من الملائكة٬ ولكننا لسنا بشياطين أيضًا٬ إلا أن الأزمة الاقتصادية الحالية وجذورها السياسية والاجتماعية أعقد من أن يتم اختزالها بهذا الشكل٬ وهى لن ترفع عنا لو ظللنا نردد شعارات فارغة المضمون٬ وأحاديث لا تصلح سوى لفض المجالس.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق