اخبار اليوم نوبل بوب ديلان وتداعيات العزلة

0 تعليق 4 ارسل لصديق نسخة للطباعة

بعد إعلان الأكاديمية السويدية عن فوز المغنى والمؤلف الأمريكى الشهير، بوب ديلان، بجائزة نوبل فى الأدب، استدعت الدوائر الثقافية الغربية الحديث الدائر منذ سنوات عن قيمة «ديلان» كشاعر، بينما تساءلت قطاعات واسعة من نظيرتها فى مصر عمن هو هذا الـ«ديلان» من الأصل، فى إشارة أخرى إلى عزلتنا الثقافية، التى بدأت بالتحديد متزامنة مع سطوع نجم «ديلان» فى الستينيات، الفترة المركزية فى تحديد طبيعة وقيم العالم المعاصر عامة، والغرب خاصة، حيث تبلورت تحولات مهمة فى مفاهيم الحقوق الشخصية والمدنية (خاصة حقوق الأقليات مثل السود)، وازدادت مساحات الحرية، واتسع المعنى السائد لما يترتب على مبادئ عامة مثل التسامح والتعددية.. هذه هى نفس الحقبة التى بدأت تظهر فيها أعراض انعزال بلادنا عن العالم المعاصر.

فى بداية الستينيات لم تكن هناك فروق كبيرة بين نظرة النخب المصرية للعالم وبين نظيرتها فى العالم الصناعى.. أما فى العقود التالية فاختلف الحال جذريا، ففى عالم تخللته موجات التحرر صرنا نسير فى اتجاه معاكس، تنكمش خلاله مساحات التحرك السياسى والاجتماعى، وتتلاشى فيه قيم التسامح والتعددية.. حتى بدا الآخر بيننا جاسوسا أو كافرا أو الاثنين معا، وبدا الدور الأساسى للعالم حولنا متمثلاً فى التآمر الدؤوب علينا.

وفى ظل ظروف العزلة والانغلاق الاجتماعى والسياسى تلاشت أهمية قيم المصداقية واستقلالية الفرد، مما انعكس على نوعية الفكر السائد، ليس فقط من حيث «التحرر» من عدمه، إنما أيضا من حيث جدية وجودة المنتج الفكرى، بصرف النظر عن القيم التى يعبر عنها.

ففى حين اتسعت رؤية العالم لمعنى الفن الجاد، بدأت تنحصر عندنا فى مفهوم الفن «الهادف»، سواء كان عاكسا لمفاهيم السلطة السياسية أو الدينية السائدة- وفى ذلك يشبه الفن فى المجتمعات التقليدية والقبائلية فى مرحلة ما قبل الحداثة، وأيضا المبنية على أساطير الشمولية الحديثة- أو على العكس يجعل من الفن أولاً وأخيراً أداة لمقاومة أوضاع سائدة، لتأخذ معايير الإبداع والدقة فى التصور وتقنيات التعبير مرتبة ثانوية، بل متدنية، فى المقابل: فالمهم هنا هو «الموقف» بصرف النظر عن المضمون.. وليس من الغريب فى هذا السياق أن تسود الركاكة.

لنأخذ بوب ديلان نفسه مثالا يوضح الفرق بين فن راقٍ فعلا قد يعكس سياقا سياسيا، وبين ما هو أضعف من أن يرقى لهذا المستوى.. فاسم الرجل ارتبط بطريقة وثيقة بحركات التحرر والحقوق المدنية والسلام فى الستينيات، لكنه لم ينخرط كليا فيها كما فعل بعض زملائه، بل لم يكن حتى نشطا بشكل مباشر تقريبا إلا من خلال أغانٍ لم تخلُ من العمق التعبيرى والبناء الأسلوبى المركب والاستخدام المبدع للألفاظ.. لذلك حصل على جائزة نوبل فى الأدب وليس فى السلام. فى المقابل بدا أن الكثير من مثقفينا خلال العقود الماضية كانوا يرمون، من خلال كتاباتهم ومواقفهم «النارية»، نَيْل جائزة نوبل فى الحرب.. وفى ذلك كانوا أقرب لبعض مثقفى ما قبل الحرب العالمية الثانية من أى فنان أو مثقف معاصر له قيمة تُذكر.

هذا ما أعنيه هنا بـ«العزلة» عن العالم المعاصر. لكن لا بأس من حيث المبدأ، فالمواقف السياسية المتسمة بالعنف لا تلغى بالضرورة قيمة المبدع إن وُجدت فعلا. المؤلف الأوبرالى العظيم «فاجنر» مثلا كانت له نزعات عنصرية معروفة، لكنه لم يدعها تتغلغل بشكل يفسد أعماله العملاقة، التى لم تكن من نوعية الفن السطحى «الهادف»، بل اتسمت بقدر مذهل من الإبداع.. ففى عمل واحد مثل «تريستان وايزولد» ثورة موسيقية تحديثية فى أنغامه الافتتاحية، ومضمون فكرى يحتوى على تأويل عميق لفلسفة «شوبنهاور»، وبناء درامى يناطح التراجيديا الكلاسيكية.

هناك فرق شاسع بين هذا المنتج وبين ما ينتجه مَن يجعل من الموقف السياسى أساسا لهويته وسبيل نجاحه، سواء كان هذا الموقف مسخرا فى خدمة النظام أو مجسدا فى مواقف مقاومة تبدو بطولية، سواء كان يدعو للسلام أو على يقين بحتمية الصراع، فعندما يتم التعويض عن غياب الرؤية الصادقة والمهارة التقنية بالموقف السياسى ينتشر المسخ، وعندما يكون «الموقف» هو المعيار الأهم المعمول به بين قبائل مَن أيد النظام- وأخرى معارضة لكن تستعين بنفس نوعية المعايير- يسود المسخ.

من ثَمَّ ينتج العامل الأساسى الذى يعزلنا عن العالم.. فصحيح أننا صرنا نتكلم لغة فكرية لا يفهمها العالم، وهذه مشكلة، لكن العالم المعاصر صار يتقبل الفروق الثقافية. بل هناك مَن يحاول أن يتفهم وأن يتأقلم مع أكثر النزعات الرجعية السائدة فى عالمنا باسم قبول الآخر، بل حتى يريد فهم أساس العنف الفكرى والفعلى النابع من منطقتنا، فى سبيل محاولة معالجة أسبابه سلميا.

المشكلة الأعمق هى أن معظم مَن سيحاول تعلم وفهم لغتنا الفكرية وما يُحركها بجدية سيكتشف مدى ركاكتها وعدم اتساقها. لذلك، حتى إذا احترم حقنا فى الاختلاف (أو التخلف) فلن يحترمنا حقا.. وهذا فى أحسن الأحوال، لأن هناك أيضا مَن يعتقد بوجود خطر حقيقى فى النظرة الصراعية للعالم، المجسدة فى اللغة الفكرية الركيكة، ويعتقد أن عدم احترامه لها يجب أن ينعكس على أرض الواقع فى تعاملاته معنا.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق